الحديث بلغة وردية عن شرق أوسط، تحسّنت أحواله بفعل سياسات إدارة الرئيس بوش؛ يكون صاحبه أحد اثنين: إما أنه يتحدّث عن عالم آخر. وإما أنه هو نفسه يعيش في مثل هذا العالم. الوزيرة رايس، في حوار مع محطة بي بي سي، تزعم أن المنطقة، صارت في حال «أفضل». ولم تستبعد، توصل الفلسطينيين والإسرائيليين، إلى تسوية «قبل نهاية العام الجاري»!
المقاييس التي اعتمدتها الوزيرة، تراوحت بين توافق لبنان وسوريا على إقامة علاقات دبلوماسية بينهما؛ وبين اعتزام السلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية، على الاستمرار في مفاوضات السلام بينهما. تعاملت مع هذه المستجدات والمعطيات، بوصفها تطورات واعدة ومفتوحة على انفراجات نوعية.
طبعاً تبادل السفراء بين دمشق وبيروت، يندرج في هذه الخانة؛ كونه خطوة مهمة على طريق إعادة العلاقات الأخوية، بين البلدين الشقيقين، إلى ما ينبغي أن تكون عليه، من دفء وتكامل. مع ذلك هي خطوة «طبيعية» كما وصفها رئيس مجلس النواب اللبناني، نبيه برّي. كما ليس بوسع واشنطن أن تنسبها، ضمناً، لسياستها. ناهيك بأن تكون إحدى ثمرات هذه السياسة. إن كل المؤشرات التي اعتمدتها الوزيرة، في سياق تلميعها لتركة الإدارة الشرق ؟
أوسطية؛ تبقى في كفّة؛ ووضعها لاستمرار التفاوض الفلسطيني ؟ الإسرائيلي في هذا الإطار، يبقى لوحده في كفة أخرى. وكأن المطلوب كان التفاوض لأجل التفاوض. بالأحرى، لشراء الوقت وضمان زجّ العملية السلمية، في دواّمة مقفلة؛ لا خروج منها ولا حلول فيها. إذا كان هذا ما عملت إدارة الرئيس بوش على تحقيقه ؟
وواقع الحال يعزّز ذلك ـ عندئذ من حق الوزيرة أن تتحدث عن انجاز في هذا الخصوص؛ لأنها وصلت إلى المبتغى. لكن في ذات الوقت تكون قد فضحت نفسها بنفسها. نسيت أو تناست، بأنها هي التي قالت مراراً وتكراراً ـ ومعها الرئيس بوش ـ وبما يشبه الوعد؛ بأن عام 2008 سيشهد، قبل نهايته، ولادة الدولة الفلسطينية. نسيت أيضاً أن الإدارة قامت بحملة واسعة، تبين لاحقاً أنها كانت بهلوانية، لعقد مؤتمر أنابوليس، بزعم حشد الدعم والتأييد الدوليين، لترجمة ذلك الوعد وفي الموعد المحدّد. هذا فضلاً عن ما سبق ذلك ؟ «خريطة الطريق» - وما لحقه من جولات مكوكية لها في المنطقة، تجاوزت العشر مرات.
برغم نداءات السلطة الفلسطينية وتحذيراتها، بخصوص المستوطنات، رفضت الإدارة القيام بأية خطوة عملية لوقف الزحف الاستيطاني؛ إنقاذاً للمفاوضات. حتى مطلب تخفيف الحواجز في الضفة، لم تساعد الإدارة على تحقيقه. واليوم تطلع الوزيرة بتطميناتها، بأن المنطقة تنعم بوضع «أفضل»؛ وبأن مجرد المضي بالمفاوضات، الفلسطينية ؟ الإسرائيلية، هو بحدّ ذاته مكسب ! ومع ذلك لم تتردّد في إبداء تفاؤل حول إمكانية بلوغ المفاوضات خواتمها المثمرة! معايير وتوقعات همايونية أتحفتنا بها الوزيرة في رسالتها الوداعية.
