اعتبروه على حافة الهاوية وليس بحاجة سوى إلى «دفعة صغيرة» كي يقع فيها.المقصود هو غوردون براون، رئيس وزراء بريطانيا.لكن ها هو يعود ويثبّت مواقعه في بلاده وداخل الأسرة الأوروبية.
الصورة «التقليدية» لقادة بلدان الاتحاد الأوروبي الـ27 في بروكسل يوم الخميس الماضي تقول «الكثير بهذا الخصوص. صورة و«نجمان» يجذبان الأضواء في «قمّة الأزمة» تلك هما نيكولا ساركوزي،الرئيس الفرنسي، وغوردون براون، رئيس الوزراء البريطاني.
وعلى غرار أن «الشيء بالشيء يُذكر» فإن «الصورة بالصورة تُذكر»؛ فعودة سريعة إلى لشبونة عاصمة البرتغال يوم 13 ديسمبر 2007 التي شهدت توقيع ما عُرف بـ «الاتفاقية الأوروبية المبسّطة» كبديل عن «الدستور الأوروبي» الذي رفضه الفرنسيون وبعدهم الهولنديون في استفتاء شعبي بالبلدين وكان الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جسكار ديستان هو رئيس لجنة صياغته الغائب الأكبر عن صورة برشلونة القادة الأوروبيين وهم «يستلّون» أقلامهم الفضيّة ـــ المصنوعة خصيصا للمناسبة ـــ لتوقيع تلك الاتفاقية المبسّطة كان غوردون براون،الذي أناب عنه وزير خارجيته.
المشهد تغيّر تماما اليوم،وليس في الصور فقط ولكن،وهذا هو الأهم، في الواقع أيضا. فغوردون براون هو «الملهم الأكبر» لخطط الإنقاذ التي تبنّتها أوروبا كلها من أجل مواجهة الأزمة المالية العالمية الراهنة.إن هذا «المتحمّس» حتى فترة قريبة جدا لـ «فضائل اللبرالية» انقلب خلال أسابيع معدودة إلى «رائد» في مجال الدعوة لضرورة إعادة النظر، بل «إعادة بناء جديدة كاملة وشاملة» للنظام الرأسمالي العالمي الذي أنتجته الرأسمالية المالية المسؤولة عن الأزمة اليوم.
ولم يتردد غوردون براون، في نفس سياق ما بعد الأزمة، في الإفصاح عن عزمه الابتعاد أكثر فأكثر عن الشاطئ الآخر الأميركي، كي يعمّق صلات بلده مع «الأقربين» في القارة الأوروبية. وقد كان صريحا عندما قال: «أعتقد أن الناس يدركون أن المشاكل لم تبدأ في بريطانيا أو في أوروبا ولكن في أميركا». وكان صريحا أيضاً بانتقاداته مؤخّرا لـ «المضاربين المصابين بمسٍ من الجنون في وول ستريت».
هكذا إذن يعود غوردون براون إلى لعب أحد أدوار «البطولة» على المسرح السياسي الأوروبي، بل والعالمي بعد أن كان قبل فترة وجيزة ليس أكثر من «كومبارس» بلا دور عملي، بل كان يتأهّب للخروج من الباب الخلفي للمسرح بعد أن عمّ الحديث عن «الاستغناء عن خدماته».
لقد نسي الجميع سريعا، كما يبدو، أن براون كان وزير اقتصاد ناجح لسنوات طويلة وبأنه كان «المهندس» الأساسي لما عُرف بـ «الطريق الثالث» الذي عرفت بريطانيا سنوات من الازدهار بفضله وانتهجه رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، وبني شهرته على أساسه قبل أن يتهاوى.. ويتهاوى هو معه.
وجد براون في الأزمة المالية العالمية الراهنة مناسبة، أو بالأصحّ «المناسبة»، لإعادة اعتباره و«الثأر» عبر إعداد خطة محكمة من أولئك الذين أوغلوا في تجريحه من أصدقائه العماليين وبالطبع من خصومه المحافظين.وقد لاقت خطته صدى إيجابيا كبيرا لدى خبراء اقتصاديين ليس أقلّهم شأنا بول غروكمان، الأميركي الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد هذه السنة، الذي وصفها بأنها «واضحة ومحددة».
ولم تتردد الصحافة البريطانية في الحديث عن «الساحر براون» بعد موجة قريبة سابقة من النقد اللاذع له. وبعض عناوين هذه الصحافة قد تكون بليغة في الدلالة على السياق الجديد. الفيننشال تايمز وصفت براون بالقول ما مفاده: «لقد بدا كقائد يتحكّم جيدا بدفّة توجيه سفينته». وقارنت الصاندي تايمز بين الأزمة المالية الحالية وبين حرب الفولكلاند (ضد الأرجنتين)عام 1982 التي انتشلت السيدة مرغريت تاتشر من الوضع الصعب الذي كانت تواجهه آنذاك ودفعتها إلى مقدّمة المسرح.
ولإدراك عمق أهمية التحوّل الذي قام به براون باتجاه أوروبا تنبغي معرفة أن بريطانيا لم تكن متحمّسة في أي يوم من الأيام للانضمام إلى البيت الأوروبي. ولم يخفِ البريطانيون في أيّة لحظة هلعهم ورفضهم القاطع والمانع لاحتمال قيام صيغة، مهما كانت، لدولة «فيدرالية» أوروبية وتفننوا في إبراز «مسالبها» و«مخاطرها». وذلك كلّه باسم الجغرافيا والتاريخ والتعلّق بـ «الأساطير المؤسسة» للأمة البريطانية ومؤسساتها البرلمانية، هذا بالإضافة إلى نوع من الإحساس بـ «التفوّق» يعود إلى فترة «التوسّع الاستعماري» وقيام إمبراطورية بريطانية «لا تغيب عنها الشمس».
صحيح أن بريطانيا هي أحد دول الاتحاد الأوروبي ولكنها دخلته دون «حماس» أصلا وبقيت عضوا «غير فعّال» فيه،هذا إذا لم يكن «معطّلا». وحرصت على أن لا تتبنّى العملة الأوروبية الموحّدة ـــ اليورو ـــ وحرصت أيضاً على البقاء خارج إطار اتفاقية «شنغن» الخاصة بحرية انتقال الأفراد وإلغاء كل أشكال الرقابة على الحدود الداخلية في أوروبا المعنيّة.
قد يكون من الهام هنا التذكير أن مثل هذا النهج الرسمي لجميع الحكومات يلقى تأييدا لدى أغلبية الرأي العام البريطاني غير المتحمّس هو الآخر،إن لم يكن «غير المبالي» بمسيرة التوحيد الأوروبي.
كما تدلّ جميع استطلاعات الرأي في مثل هذا السياق تشكل مبادرات ـــ خطط براون لمواجهة الأزمة والمطالبة بإصرار على ضرورة صياغة نظام مالي دولي على أسس جديدة المرّة الأولى التي تتخذ فيها بريطانيا منذ فترة طويلة جدا مواقف خارج التوجّه الأميركي في خياراتها السياسية. العالم تغيّر خلال أسابيع ولندن تتبنّى موقفا أوروبيا واضحا ..لنقل أنها «ثورة».
ويبرز سؤال: هل هناك توجه عربي ما حيال الأزمة المالية العالمية الراهنة المهددة؟. وسؤال آخر: ألا ينبغي أن يكون هناك مسعى ما لاتخاذ موقف موحّد بخصوص اجتماعات «كونية» تحدّث عنها الرئيسان جورج بوش ونيكولا ساركوزي إثر لقائهما قبل أيام في كامب ديفيد للبحث في صياغة نظام دولي مالي جديد؟.
كاتب سوري – باريس
