تكدس المحيط الهندي وبحر العرب ومداخل باب المندب حتى المياه الدولية المحاذية للصومال والقرن الإفريقية بالبوارج والسفن الحربية على أمل أن يحدوا من مواصلة قراصنة الصومال في المواصلة بعربدتهم في الممرات البحرية وانتهاك قانون البحار الدولي، فقد أفرزت الحرب الأهلية في الصومال جماعات مسلحة تفتش عن الغنائم أينما تكون وكيفما يتم اقتناصها.
ولكن ما أثار العالم أن قراصنة الصومال تجاوزا حدود وعرف القراصنة التقليديين في زمننا، والذين يأسرون قوارب صيد وتجارة صغيرة كما هي في المحيط الباسيفيكي وعند خلجان تايلند وجزر الفيلبين، فقد صار بإمكان قراصنة الصومال السيطرة على بواخر كبرى تحمل حمولات ثقيلة بحجم الدبابات. فأين يمضي هؤلاء بلعبتهم؟
وماذا ينتظر المجتمع الدولي أكثر من ذلك؟ وهل سيترك الاميركيون للأوروبيين وغيرهم متابعة تلك التجاوزات الدولية وتحتفظ الولايات المتحدة بدور المراقب للممرات الواسعة وسط المحيط؟ وهل هناك رغبة جادة بملاحقة القراصنة حتى اليابسة وإنهاء وجودهم أم سيظل المجتمع الدولي مكتفيا بالمياه الدولية رغبة منه على حماية السفن؟
وهل سينكمش ويتراجع القراصنة عن المزيد من الطرائد الضعيفة في مياه وعرة كلما جرفتها الأمواج نحو شواطئ الصومال وباتت فريسة لهم؟.
المسألة بدت أوسع واكبر من مسألة قراصنة تقليديين هاربين عن السلطات المحلية في بلادهم ويهيمون في جزر بعيدة تتطلب الاختفاء والهروب، فقد احتمت تلك الظاهرة الصومالية بتربة بلادها ويابستها وبين عشائرها وقومها، بعد أن سدت في وجهها كل السبل، فما كان من قراصنة الصومال إلا اللجوء للخطف البحري لتأمين مصاريف لأمراء حرب وما حولهم من ميليشيات، تلبست لبوس القرصنة، بعد أن نجحت في انتزاع فدية كبيرة هنا أو هناك من بلدان وشركات يهمها الحفاظ على سفنها وسلامة عبورها.
ويجهل الجيل الجديد مفردة القراصنة والقرصنة خارج نطاق أفلام السينما والشكل النموذجي التاريخي، الذي قدمت به شخصية القرصان وسفينته وملامحه وملامح رفاقه فوق تلك السفن المختفية في الجزر النائية والخلجان الوعرة، غير أنه تعرف على المفردة في التقنية الحديثة لعالم الكومبيوتر وسرقة البرامج ونشر الفيروسات وطبع الأقراص المدمجة وتهريبها وبيعها في الأسواق خارج نطاق القانون في أسواق سوداء.
وتفننت في سرقة الملكيات الفكرية مما استدعى المؤسسات التجارية والدول على الإسراع بعقد مؤتمرات لوضع الأسس القانونية لمساءلة ومحاكمة الخارجين على القانون، وقد تم تصنيفهم على ان هذه القرصنة نوع من الجرائم الجديدة والحديثة والتي بدأت تتقاطع مع أنماط الإرهاب الفكري السائدة والجرائم المتنوعة المعقدة في عالم التهريب وغسل الأموال والاتجار بالبشر وتهريب العمالة غير الشرعية.
غير ان القرصنة في واقع الأمر مفردة أبعد من ذلك وحقيقة أقدم بكثير من رومانتيكيات الأدب وعالم السينما، بل ويكاد يجزم بعض الباحثين عن إن هذه الظاهرة شبيهة تماما بقطاع الطرق في اليابسة، والذين أخذوا يتربصون القوافل العابرة برا فيهاجمونها وينهبونها ويمنحون أنفسهم حقا مشروعا بذلك السلب، إذ يتوزعون الغنائم فيما بينهم ويعتاشون على تلك الغنائم ومتى ما نفذت عادوا للكر والفر بعد تربص طريدتهم وهي تعبر طريقها الوعر الطويل.
وإذا ما كانت الكلمة في مشتقاتها القديمة تنزع لمعاني الفردية والدلالات المختلفة، فإنها في النهاية رست على أنها نوعا من المهن الخاصة التي لا تقام لها مكاتب عامة أو مناصب رسمية وبأن من يمارسونها ليسوا منتظمين أو يدفع لهم من قبل حكومة معينة، وبتعبيرنا المعاصر المساعي لأعمال حرة وممارسات خاصة للمهنة.
وبذلك يتطفل القراصنة على خرق القانون ويسيئون للأعمال التجارية المشروعة تحت مسميات كثيرة، ولا نعجب أن نجد أمراء الحرب في الصومال عندما تحولوا باتجاه القرصنة أن يقولون لك إننا نمارس حق الدفاع عن مياهنا وعن حق شباك الصيادين، التي عبثت بها السفن الكبيرة الدولية التي تصطاد في مياه غير المياه المسموحة لها.
ومن حقنا منعهم وردعهم بقانون القوة، وهو القانون الذي يمارسه بلطجية الشوارع والساسة في بعض الأحيان، حينما تخونهم الذرائع والحجج القانونية في شرعنة فعلهم. ففي القرن السابع عشر أصدرت الحكومة البريطانية رسائل من الديوان الرسمي إلى الأشخاص الذين يديرون حروبهم بصورة خاصة بمنحهم حق الهجوم على السفن التجارية المعادية وبتشبيه تلك السفن المتطوعة ببحارتها للاعتداء تشبيها جزئيا ومرادفا للقرصنة.
هذا التصريح البريطاني سيفتح أفاقا واسعة للتلاعب والصراعات حول مناطق المستعمرات وممراتها الحيوية والاختفاء وراء العمل اللامشروع السياسي والتجاري خلف قناع القرصنة »المشرعنة« من البلاطات والدواوين الرسمية !!
من حاكوا ونسجوا قانون الفوضى »الخلاقة« منذ وقت طويل، يعودون ويلعبون بها اليوم في القرن الأفريقي، بترك قراصنة الصومال وأمرائها الجدد بفعل ما يمكنهم فعله.
حيث نجدهم اليوم يصبحون قادرين على امتلاك قوارب سريعة ومسلحة بأسلحة متطورة ولديها وسائل اتصالات متقدمة مع الأقمار الصناعية وتمتلك معلومات دقيقة عن طبيعة السفن وما تحمله على متنها من بضائع، فقد نظم خبراء الصومال في البحرية خبرتهم الأكاديمية بعد أن نفذت كل ذخائرهم وباتوا بلا مهن ومفلسين، فاتفق اللصوص التقليديون في البحر مع زمر أنهكتها الحرب الأهلية وعطلت مصادر دخلها، فكان من الطبيعي، أن تجتمع تلك العناصر مع طرف ثالث هم أمراء الحرب في الصومال، والذين يديرون حربا أهلية قائمة على النعرات المناطقية والقبلية والدينية.
وإذا ما وضعنا في الاعتبار إن مصادر الدعم المالي قد تراجعت وشحت في الفترة الأخيرة بسبب ملاحقة الإرهاب ودعمه المالي، فان المتحاربين في الصومال يشعرون إن الأموال المتناقصة من أهم العناصر التي تضخ الدم على ماكينة تلك الحرب، ولن تكون هذه المرة إلا الفدية القادمة من سفن عابرة للقرن الأفريقي، والذي نتيجة لأهميته الحيوية تمر عبره العشرات من السفن شهريا.
من فضلوا استلام الفدية نقدا وبالملايين وتقاسموها بطريقتهم، كانوا يجيدون لعبة التفاوض بكل فنونها ويتصلون ويحاورون مؤسسات ودولا تضمن لهم ذلك الحق المبرر كما بررته في السابق دول استعمارية، لكي تفتح بعدها النار عليها دفعة واحدة. من أغمضوا العين مؤقتا للقراصنة الصوماليين، كانوا يخططون لتوريطهم بتجاوز حدودهم الشرعية في الاعتداء على المياه الدولية، لكي يجد الناتو والاتحاد الأوروبي ذريعة سهلة في التدخل العسكري للأراضي الصومالية ويغرقها بالتدمير الإضافي بحثا عن العدو الأهم والأول وهو الإرهاب!
فقد صارت الصومال بؤرة تجّمع مركزي للإرهاب كالمناطق الحدودية بين أفغانستان وباكستان، مما يعني إن القارة الأفريقية مهددة بالوباء نفسه.
كاتب بحريني