أن يُتّهم شخص بارتكاب عمل شنيع كالوشاية فهذا أمر تعوّدنا عليه ويمكن اعتباره تفصيلا مكمّلا لصفات البشر السيئة. أما أن يتّهم كاتب وشاعر بهذه الصفة، فهذا أمر يدعو في الحد الأدنى للتأمل وأخذ العبر، خصوصا إذا كان ذلك الكاتب من حجم ميلان كونديرا، صاحب »المزحة« التي كانت الوشاية فيها محور القصة وأصل حبكتها الروائية.
فهل نحن اليوم أمام رواية من رحم الواقع تتكشف فصولها شيئا فشيئا لتقدم لنا لمحة عن طبيعة العلاقات التي كانت سائدة، ولا تزال، في دول وسط أوروبا التي نمت وترعرعت فيها تقاليد الوشاية السياسية؟
بداية يجب التذكير بما تعرض له الكاتب لنكون على بيّنة من هذه القصة الواقعية. فقبل أيام خرج ما يسمّى بمعهد دراسة الأنظمة الشمولية في تشيكيا بنتيجة مفادها أن الكاتب كونديرا عندما كان طالبا في العشرين من عمره، جاء إلى الشرطة وأبلغها بوجود أحد معارضي النظام في سكن الطلاب الذي كان مسؤولاً عنه، ما أدى لاعتقال المعارض المذكور وسجنه لمدة أربعة عشر عاما.
واعتمد المركز المذكور في هذه التهمة على محضر مكون من بضعة أسطر وقّعه أحد الضباط الفاعلين في فترة الخمسينات، لكن غاب عنه توقيع كونديرا أو أي إشارة أخرى تدل على علمه وإدراكه بما جرى.
تهمة كبيرة بلا شك توجه إلى كاتب أمضى معظم حياته في المهجر هاربا من واقع سياسي فرض على شعبه في وطنه الأم، في حين أن آراءه الرافضة لهذا الواقع لم تتردد بتفسير التفاصيل المرتبطة به بكل جرأة وموضوعية، وقد وجدناها حتما في معظم أعماله الروائية التي تحظى حاليا بشعبية عالمية واسعة.
لكن الخطورة في ما جرى هو أن هذا المعهد المشبوه ومن تعاطف معه لاحقا من الصحافيين عن قصد أو بسبب الغباء المهني، بدوا كمن يحاول دحض جميع الأفكار والمعتقدات التي عبّر عنها كونديرا خلال حياته الأدبية الحافلة، معتمدين على ورقة صفراء مذيلة بتوقيع أحد ضباط المخابرات السابقين.
وكأن بهؤلاء الذين يدّعون حرصا على الديمقراطية أكثر من غيرهم يريدون أن يقنعوا الرأي العام بأن كونديرا، الشيوعي الإصلاحي سابقا والذي قرر الرحيل عن وطن شبابه لأنه اقتنع بعقم الأفكار التي كان يحاول تسويقها في مرحلة مراهقته الحياتية والفكرية، قد تعمّد الكذب في إبداعاته الأدبية اللاحقة التي سجّل من خلالها انتقادات كثيرة للممارسات السياسية التي كانت تتم.
وكأنهم يريدون أن يزعموا بأن الكاتب الذي (ربما) ارتكب خطأ سياسيا ما في شبابه، لا يجدر به أن يلقي المواعظ في قمة عطائه الأدبي، حتى لو كان قد مارس نقدا ذاتيا لتصرفاته في مرحلة المراهقة، وحتى لو كان قد أبدع في وصف الظلم الذي تعرض له شعبه على أيدي الجلاّدين ممّن كانوا يتحكّمون بمصائره.
لكن يبدو من خلال القراءة الأولية لما جرى، أن هذه القضية ستثير نقاشا واسعا بين الأوساط الفكرية والأدبية حول جملة من الأمور التي تزال مجتمعات وسط أوروبا تتخبط بها وأهمها:
- مسألة التراث الوطني بكل ما تختزنه من مآس وتجارب تاريخية ميّزت هذه المنطقة عن غيرها من مناطق العالم. فقد تمكنت بعض الشعوب من التسامح مع تاريخها في ما يخص علاقة الفرد مع النظام الحاكم وتاليا انعكاس هذه العلاقة مع المجتمع الأوسع، في حين لا تزال بعض الشعوب تتخبط في أتون الصراع بين ضرورات نقد الماضي ونسيانه نهائيا أو التطلع إلى مستقبل يتم بناؤه بعيدا عن كراهيات الماضي. وقد تكون هذه الإشكالية ملازمة لتجارب شعوب أخرى خارج القارة الأوروبية.
- مسألة العلاقة القسرية التي نشأت بين أجهزة الأمن في الدول الشمولية وفئات الشعب بكل مكوناته، بمن فيهم الكتاب والفنّانون وغيرهم. وعندما أقول قسرية أعني بذلك تلك العلاقة التي فرضتها أجهزة الأمن على كل من كانت ترغب بإقامة علاقة معه، إن كان من خلال التهديد النفسي المتمثل بمنعه من ممارسة العمل الأدبي أو الفني وطرده من الهيئات والاتحادات التي تخول أعضاءها ممارسة تلك المهنة، أو من خلال التهديد الجسدي المتمثل بوضعه في السجن من خلال تلقيف التهم إليه جزافا.
هذه الممارسات لم تكن حكرا على الأنظمة الشيوعية وحدها، بل على أنواع أخرى من الأنظمة الشمولية التي شهدنا مثلها حتى في عالمنا العربي.
- معاهد دراسة الأنظمة الشمولية التي تأسست في بعض الدول والتي لا تزال دول أخرى تفكر في جدواها. فلقد أثبتت التجربة الأخيرة مع الكاتب ميلان كونديرا أن هذه المعاهد قد تُستغل بشكل سيء من قبل من يفترض أنهم علماء تاريخ يمارسون مهنة البحث والتمحيص والتدقيق في الأدلّة.
وحسب رأي كثيرين وأنا منهم، كان حري بالمعهد المعني في تشيكيا أن يستخلص الوثائق والأدلة الكافية التي تثبت تورط كونديرا في علاقة ما مع أجهزة المخابرات، قبل أن يسرّب خبرا عن وجود محضر عادي مثل هذا.
يضاف إلى ذلك أن هذه المعاهد تتعرض لانتقادات بعض التيارات السياسية التي تصر على أن الأطراف المتنافسة تسعى لاستغلالها بهدف تحقيق أهداف سياسية معيّنة. هذا لا يساهم إلا بخفض مستوى الثقة والاحترام الذي من المفترض أن تتمتّع به معاهد مماثلة.
بجميع الأحوال يجب الاعتراف بأن الغموض الذي فرضه كونديرا على تفاصيل حياته منذ أن قرر الانعزال في فرنسا، قد استفز كثيرين من أهل وطنه الأصلي ممّن يصرّون على حقّهم في التعبير عن الحب أو الكراهية تجاهه. لكن ما لم يدركه هؤلاء، هو أن هذه الزوبعة ستنكأ جراحا كثيرة، وأن آلامها ستتخطى حتما حدود تشيكيا وفرنسا معاً.
كاتب لبناني
