منذ نشأته في المراحل الأولى للسلوك الاقتصادي البشري احتوى النظام الرأسمالي على نواقص ومثالب تجعل من اتباعه أمراً غير سوي عند أولي الألباب. النظام الرأسمالي يضع كل الحساب تقريباً للمال وأصحابه وأعماله. ذلك ما يُلحق جوراً وظلماً وغبناً لجماعات واسعة وعريضة من البشر من مختلف الطبقات ومن ضمنها طبقة الرأسماليين الأثرياء أنفسهم.

ويلحق بالنظام الرأسمالي نظام السوق الحر الذي بطريقة التنافس فيه يُجهز على ما تبقّى من معانٍ بشرية سامية وأسس نبيلة وأخلاق حميدة وما يُعرف بالضمير الإنساني الناضج. قد يكون النظام الرأسمالي ناجحاً إلى حد ما في ظروف ضيقة ومجتمعات زراعية غزيرة وصناعية تجارية مزدهرة. لكن تطبيقه على المجال الدولي العام يلحق أذى وظلماً بالبشرية يصبح الاستمرار فيه من ضروب الحمق وحتى الجنون الجماعي الحاشد.

تنفّست البشرية الصعداء قبل عقدين تقريباً من الزمن حين انهار نظام شمولي يعتمد حكم عرّابي البروليتاريا (الأحزاب العمالية السياسية) بشكل انتقائي فاشل سمي مجازاً بالنظام الاشتراكي الدولي. على مساوئه يتمتع النظام الاشتراكي بميزات تجعله مفضّلاً على النظام الرأسمالي الإقطاعي مادياً وسياسياً. ذلك بسبب توخي النظام الاشتراكي العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروات بالتساوي الممكن، ولو من ناحية نظرية لكن قابلة للتطبيق.

اليوم تلوح في الأفق بوادر انهيار النظام الرأسمالي بأيدي وعقول أهله وأنصاره والمستفيدين الرئيسيين من تطبيقه عالمياً؛ بالذات بأيدي الدول الغربية وفي مقدمتها الدول الصناعية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية. لم يكن يخطر ببال أحد قبل بضعة شهور أن أزمة العقارات في الولايات المتحدة قادرة على أن تتطور محلياً ودولياً وتتسبب بانهيارات متتالية مثلما يحدث لأحجار الدومينو.

تتسبب الأزمة المالية بإفلاس بنوك رئيسية ضرورية لاستمرار الرأسمالية المركزية التي تمت عسكرتها أميركياً لخدمة المصالح الإمبريالية. النظام الرأسمالي الدولي على وشك بدء الأفول الحقيقي غير مأسوف عليه من قبل أكثر من 90% من البشر الذين اكتووا بناره على مدى عشرات بل مئات وآلاف السنين من عمر البشرية.

تغاضت الرأسمالية الدولية عن آلام وشجون وهموم وأحزان الطبقة المسحوقة من الأغلبية العددية.. في جانب آخر مظلم هنالك مجموعات هائلة من البشر حُرمت من مقدّراتها الطبيعية والبشرية لصالح فئات أخرى بسبب استئثار الأخيرة بالقرار السياسي المبني على القوة المالية السياسية والقبضة الحديدية. بالذات بات العالم مالياً واقتصادياً وسياسياً يدور حول بضع عواصم هي نيويورك في الولايات المتحدة وطوكيو في اليابان وبدرجات أقل برلين وباريس ولندن في أوروبا.

لن تنفع الإجراءات الشكلية السطحية المالية والسياسية في إنقاذ النظام الرأسمالي العالمي المتهالك. ضخ الأموال على هيكلية منهارة من الأساس والداخل والخارج قد يفلح بشكل مؤقت في إعادة الاعتبار إليها لدى شريحة من أنصارها أو المتحمسين لها والمتعاطفين معها.

الزعماء السياسيون المجتمعون بشكل طارئ لحل الأزمة المالية العالمية هم المتسببون أصلاً في بدئها وانتشارها وتفاقمها. أنظمتهم السياسية لا تزال تتمتع بنفس النفَس الاستعماري الإمبريالي التقليدي البائد؛ في ذلك تبدو اجتماعاتهم أقرب إلى اجتماع عصابة من المنتفعين الأنانيين من وعلى حساب الغير. لكن وعند الأغلبية من البشر وعلى المدى القصير والطويل فالأزمات الاقتصادية تتولد وتتفاقم وتتعاظم وتستفحل. كل بيت على سطح الكرة الأرضية الآن يناقش ساكنوه مصيراً عابساً قاتماً لهم بسبب تفرد مجموعة صغيرة من أصحاب المال والأعمال والسياسة بمصير الغالبية العظمى بشكل جشع وجاهل.

فك ارتباط عملة بالدولار أو اليورو أو الينّ عند بعض الدول النامية التابعة اقتصادياً ومالياً للنظام الرأسمالي العالمي قد يساهم مؤقتاً وشكلياً ظاهرياً في حل الأزمة.

بعدها سرعان ما تعود الأمور إلى سابق عهدها من القابلية للتراجع والتضخيم. ذلك لأن الأسباب الأساسية في معضلات النظام الرأسمالي العالمي لا تزال قائمة ويجب العمل على تصحيحها. بالذات يجب إدخال قوانين جديدة تحد من تحكّم طبقة ضيقة على أخرى واسعة مترامية التواجد. سنّ قوانين صارمة من شأنها حماية الفقراء والضعفاء والعمال وذوي الدخل المحدود سوف يساهم بالتأكيد من تكرار هكذا أزمة مالية بائسة في نظام رأسمالي حالي أشد بؤساً.

على الحكومات والدول صاحبة الشأن أن تبادر على الفور للتحرك بهدف تقليل أثر الصعقة المالية الحالية والأزمات اللاحقة. على الجميع أن يبدأوا بخطوات مدروسة والرجوع إلى الذات وتطوير القدرات من الأنفس وبأيدي وعقول الأبناء سعياً للوقوف على الأقدام ما أمكن.

الدول المتوافقة ديموغرافياً وتجارياً قادرة على تشكيل تحالفات فيما بينها تسعى منها إلى التعاون المؤدي إلى تقليل الاعتماد على الدول الصناعية التقليدية. هنالك الكثير من التنظيمات الإقليمية الدولية التي بمجموعها من الممكن أن تحل محل النظام المركزي الدولي المتسلط ولو جزئياً مؤقتاً. من غير المعقول أن تستمر البشرية بوضع فيه يصدق القول انه «إذا ما عطس الرئيس في واشنطن حتى يصاب العالم بأكمله بالزكام».

قد يعني ذلك التحول إلى تطبيق بعض من قوانين النظام الاشتراكي وتأميم المؤسسات المالية وكثير من الشركات خاصة العملاقة منها. هذا إلى جانب نشر تعاليم سامية من شأنها أن تعيد الضمير إلى عمل أصحاب الشأن. حتى مع التوسع في تطبيق نظام الخصخصة وما يُعرف بالسوق الحر إلا أنه يمكن الوصول إلى مستوى لا بأس به من الإصلاحات ووقف انتشار الفساد في المؤسسات، وما يُعرف بتسريب الأموال من الدول النامية إلى الدول الصناعية الإمبريالية.

جامعة الإمارات

Nasrin@uaeu.ac.ae