اعترف أكثر من مسؤول أمريكي كبير بمسؤولية الولايات المتحدة في الأزمة المالية التي تضرب البنوك والبورصات العالمية والتي تهدد الاقتصاد العالمي بأزمة مدمرة... هذا الاعتراف ليس هيّنا ولا سهلا ولا يجب أن يمرّ هكذا... لأن أمريكا ليست دولة عادية، ولا هي مجرد قوة عظمى، بل هي القوة الأعظم التي لم يشهد لقوتها وجبروتها التاريخ مثيلا... سواء لجهة قوتها العسكرية الجبارة أو لجهة ما راكمته من قوة اقتصادية ومن نفوذ سياسي... وهو ما جعلها تطرح على نفسها «مهمة» قيادة العالم... والسعي الى إعادة تشكيله وإعادة ترتيبه بما يستجيب الى نزعتها في الهيمة عليه وتأمين تفوّقها (وبالتالي تفوّق مصالحها) لقرن جديد...
هذا الحجم الذي اكتسبه أمريكا، وهذه القوة الشاملة التي ظلت تراكمها منذ الحرب العالمية الثانية أكسبا الولايات المتحدة مكانة متميزة على المستوى العالمي... وجعلاها تتولى قيادة العالم وهو ما يفترض أنه يحمّلها مسؤوليات أخلاقية وسياسية يفترض أن تجعلها أحرص أولا على صورتها ومكانتها، وثانيا على مصالح باقي الدول والشعوب لأن الجميع يركبون نفس المركب... والغرق إن حصل فسيشمل الجميع بما أن الزمن زمن عولمة وبما أن أمريكا هي التي سعت بكل الوسائل الى ترويج الأنموذج الأمريكي وعولمته بغية تحويل النمط الأمريكي الى نمط عالمي...
وبما أن أمريكا قادت العالم الى كارثتين واحدة عسكرية سياسية حين غزت العراق وقوّضت مبادئ القانون الدولي القائم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وكذلك الأسس الاخلاقية التي يفترض أن تسود بين الدول حين نفّـذت الغزو بناء على أكاذيب سرعان ما ظهر زيفها وبطلانها... وكارثة أخرى اقتصادية بسبب الانهيارات التي تضرب مؤسسات بنكية وعقارية ومالية عملاقة، فإنه يمكن القول إن أمريكا كانت تقود العالم وهي في حالة نشوة بغطرسة القوة وهو ما جعلها ترتكب أخطاء قاتلة وتعرض استقرار العالم الى صدمات وهزّات قاتلة... شأنها شأن السائق حين يقود سيارته وهو في حالة انتشاء بالكحول فيفقد السيطرة على المقود ويتسبب في حوادث فظيعة... ولنتصوّر الفرق، كم يكون كبيرا، بين فرد يقود شاحنة وهو في حالة غير طبيعية وبين دولة هي الأعظم تقود العالم بأكمله وهي في حالة غير طبيعية بعد أن شربت حتى الثمالة من شراب غطرسة القوة وحب الهيمنة وتركيع كل الدول والشعوب.
لذلك فإن اعتراف المسؤولين الامريكيين بمسؤوليتهم عن الأزمة المالية الحالية ومن قبلها أزمة احتلال العراق وتقويض أسس القانون الدولي لا يجب أن يمر في صمت... بل لابد أن تتبعه محاسبة ودروس مستفادة حتى لا يبقى الخطأ الفظيع والجريمة النكراء بلا حساب... وعلى العالم الذي يتداعى الآن لإيجاد الحلول لأزمة سببتها الولايات المتحدة أن يعرف كيف يضع الكوابح التي تحول دون ارتكاب المزيد من الاخطاء ووقوع المزيد من الأزمات المدمرة.
ولعل الدعوة الى نظام مالي عالمي جديد التي أطلقتها بريطانيا وتلقفها الأمين العام للأمم المتحدة تكون مدخلا لوضع أسس جديدة لنظام عالمي جديد، متعدّد الأقطاب وخال من نزعات الهيمنة والتحكّم في رقاب وجيوب ومصائر الدول والشعوب.
