تحدثنا في مقال أمس عن الضغوط المدرسية التي بدأ الأطفال يرزحون تحتها ويفقدون بسببها جزءا من طفولتهم بسبب طول الدوام المدرسي، وكثرة الواجبات والمشاريع المفروضة عليهم.

وقلنا إن هذا النمط إضافة لكونه ينتزع الكثير من خصوصية الطفولة إلا انه يزيد حدة التوتر في المنازل بين أفراد الأسرة الذين يعود كل منهم من مدرسته أو عمله منهكا بعد ساعات دوام طويلة، وطرقات مزدحمة تضيع فيها ساعات من يومه وترهق فيها أعصابه، ليجد مهاما أخرى تنتظره في المنزل، وهنا تكمن المشكلة، فالمتابعة والاهتمام هذه وان كانت واجبا على الوالدين مثلا إلا أنها تُؤدّى بآلية.

فالأم أو الأب يعود كل منهما وهو بحاجة إلى الراحة الجسدية والنفسية التي أن أتاحوها لأنفسهم يجدون أنهم قد فرطوا بشيء من واجباتهم تجاه أبنائهم ومنازلهم، وان حرموا أنفسهم منها وجدوا أنهم عاجزين عن التواصل والحوار مع الغير. إن هذا الوضع الذي بات عاما يجعلنا نشعر بأن في كل منزل قنبلة موقوتة بسبب ضغوطات »متطلبات التنمية«.

لو قمنا بجولة في معظم منازل الدولة سنجد انها لا تخلو من منزل بوالدين يجريان منذ الصباح الباكر وحتى آخر النهار طلبا للرزق، تاركين مسؤولية تربية الأطفال والمنازل للمربيات والخدم. ومنزل آخر تحرسه زوجة تبقى كربة بيت وتتحمل كل مسؤوليات زوجها الذي يلهث وراء الوظيفة حتى ساعات متأخرة.

وفي كلا المنزلين أطفال يدفعون ثمن التنمية من طفولتهم ومن حقوقهم في الرعاية، ومن ثم يدفع الوطن ثمنا أغلى عندما يخطئون أو ينحرفون، أو عندما يتخلون عن مسؤولياتهم بعد أن يكون الواحد منهم قد سئم هو الآخر من ضغوط الدراسة وضغط الحياة العملية التي تحرمه من والديه.

قطار التنمية في الإمارات انطلق مبكرا قبل سنوات كثيرة، والمال لم يكن متوفرا، وعلى الرغم من ذلك لم يشعر الآباء والأجداد بما تشعر به الأجيال الحالية، بل كانوا بصحة أفضل، وكانوا أكثر سعادة والتحاما، وأكثر قدرة على الإنتاج، ينعمون براحة نفسية لم تعد متوافرة الآن بسبب الضغوط التي أصبحت سمة لحياة الغالبية نتيجة التغييرات السكانية والاقتصادية والاجتماعية التي خضع لها مجتمع الإمارات.

الأمر الذي يجعلنا نتساءل: هل سيحتمل أبناء الإمارات والذين غالبيتهم من الشباب هذه الضغوط العملية والاقتصادية والنفسية والاجتماعية؟ وهل سيكون بإمكانهم مواصلة الاهتمام بأسرهم وإنجاب عدد أكبر من الأبناء؟ وإن أنجبوا هل سيتمكنون من تربيتهم واعدادعم للمستقبل المنتظر؟ لا نعتقد أننا سنكون مبالغين لو أجبنا على كل ما سبق ب» لا«، فالواقع يحكي ويدلل بل ويدلي بما هو اشد وأكثر إيلاما.

هذا ما يشعر به المواطنون والمقيمون كل ساعة وكل يوم، فالفرد بدأ يفقد كثيرا من صحته البدنية والنفسية، والأخطر من ذلك أنه أصبح رهينا للعمل والمادة مجمدا احتياجاته كإنسان لا يمكن التعامل معه على انه بطاقة لا محدودة، فما العمل؟ وكيف نحمي الأفراد في مجتمعنا من أمراض التنمية؟ وكيف نوجد التوازن بين متطلبات هذه التنمية وحقوق الإنسان في حياة كريمة؟

لا إجابة محددة لدينا، لكنه سؤال للجميع نرجو ألا تذروه الرياح بعيداً، فنصبح في عداد الدول التي خسرت أفرادها نتيجة التنمية التي فرضتها على نفسها فخسرت مجتمعاتها ولم تجد شيئا يعوضها عن ذلك كله لان خسارة الإنسان لاشيء يعوضها مهما عظمت قيمته.

maysaghadeer@yahoo.com