ليس بمقدور الإنسان الخليجي أن يستغني عن الإنسان الآسيوي، فالآسيوي هو الذي يقوم بتنظيف شوارع الخليجي والتخلص من قاذوراته، كما يخدم الآسيوي الخليجي في مكان العمل، فهو يفتح الأبواب، ويحضر الشاي، وينقل الأوراق من إدارة إلى أخرى، والآسيوي كذلك يحرس بيت الخليجي ومزرعته والشاليه الذي يقضي فيه نهاية أسبوعه، كما أنه يقوم بغسل سيارته، ويوصل أبناءه من وإلى المدرسة، ويحضر له احتياجاته من الجمعية، ويكوي له ملابسه.
لكن هناك أمورا أخرى يستفيد منها الخليجي كثيرا، ولكنه لا يعلم أن الفضل إليها يعود إلى الآسيويين. فالخليجي عندما يقوم بإجراء عملية «ليزك» لعينه لا يعرف أن مكتشف «الليزك» آسيوي، وعندما يتصفح «اليوتيوب» لا يعرف أن مؤسس الـ «يو تيوب» آسيوي، وعندما يرسل رسالة عبر الـ «هوتميل» لا يعرف أن مخترع الـ «هوتميل» آسيوي.
وعندما يقود طائرته الحربية لا يعرف أن معدن الطائرة اخترعه آسيوي، وعندما يستمتع بالفيلم الذي اشتراه بعشرة دراهم عن طريق أحدث سماعات «بوز» لا يعرف أن «بوز» آسيوي، وعندما يبني العمارات الشاهقة لا يعلم أن الذي طور طريقة البناء العالي الحديثة هو آسيوي، وعندما يذهب إلى العيادة لكي ينجب طفلا لا يعرف أن من رواد عملية أطفال الأنابيب طبيب آسيوي.
هذه هي إنجازات الآسيويين فما هي إنجازاتك أيها الخليجي؟
هذه فقرة اجتزأتها بتصرف من إحدى الرسائل التي وصلتني عبر البريد الإلكتروني، وربما وصلت الكثيرين غيري لأن هذا النوع من الرسائل أصبح كثير التداول، يتبادله الناس بواسطة الرسائل الإلكترونية وينشرونه من خلال المنتديات، وربما يتحول أحيانا إلى رسائل نصية قصيرة عبر الهواتف المتحركة.
ومع كل الاحترام لكل الآسيويين الذين تعرضت لهم الرسالة في جزئها الأول بشيء من التحقير أو النظرة الدونية ثم أعادت إليهم الاعتبار في الجزء الأخير منها، إلا أن الشاهد فيها أنها تحمل في طياتها فكرتين متضادتين أو متناقضتين، تركز الفكرة الأولى على نظرتنا للبشر وتقييمنا لهم من الزاوية الضيقة التي ننظر إليهم عبرها، هذه النظرة التي غالبا ما تتكون نتيجة تعاملنا أو معرفتنا لفئة قد لا تشكل نسبة كبيرة منهم.
وهي كثيرا ما تكون نظرة قاصرة بعيدة عن الحقيقة والموضوعية التي يجب أن نتعامل بها مع هذه القضايا لأنها تجرنا إلى نظرية «الأنماط الجامدة» التي يجب أن ننأى بأنفسنا عنها، لأنها تعطل تفكيرنا وتحولنا إلى آلات مبرمجة غير قابلة للتفاعل مع المتغيرات والأحداث والعوامل الإنسانية التي هي الأساس في الحكم على البشر.
من حق أي شعب أن يعتد بنفسه، ومن حق أي أمة أن تفخر بتاريخها وإنجازاتها، ولكن دون المساس بالشعوب والأمم الأخرى، لأن دورة التاريخ لا تستثني شعبا من الشعوب ولا أمة من الأمم، فخطها البياني المتحرك صعودا وهبوطا ليس قصرا على شعوب معينة ولا يختص أمما دون أمم، حتى ديننا الحنيف يحثنا على عدم التفريق بين الشعوب والقبائل إلا بالتقوى، ومفهوم التقوى هنا يتجاوز كل الأطر الضيقة التي يحصرها البعض فيها.
يتساءل أحد الأصدقاء باستغراب: لماذا عندما نتحدث باللغة الإنجليزية أو الفرنسية ينظر إلينا الجميع بإعجاب وتقدير واحترام، فإذا ما تحدث أحدنا باللغة الفارسية أو الأوردو استهزأوا به وصَغُر في نظرهم، أليس لفارس والهند حضارات يمتد عمقها إلى آلاف السنين، تقف على قدم المساواة مع أعرق الحضارات في تاريخ البشرية، بل إنها تتفوق على حضارة الإنجليز والفرنسيين في كثير من النواحي الروحية والفلسفية والأدبية؟!
مناسبة هذا الحديث ما نشاهده عبر المنتديات وعلى مواقع الإنترنت من تلاسن وشتائم تصل حد الإسفاف بين الشعوب العربية، كأنه لا يكفينا هذا التشرذم الذي تعيشه الأمة على الأرض وفي الفضاء لننقله إلى الشبكة العنكبوتية، كي تكتمل الحلقة ولا يعود ثمة مجال لرأب الصدع وإصلاح الحال بين الشعوب على الأقل إذا تعذر ذلك بين الحكومات.
نقرأ على أحد المواقع الإلكترونية خبرا عن إماراتي أو سعودي أو كويتي ضرب خادمته فتنهال التعليقات من كل حدب وصوب صابةً جام غضبها على الخليجيين جميعا، ناعتة إياهم بكل الصفات التي تخطر على البال مما يحتويه قاموس الشتائم، وتلك التي لا تخطر على البال وتضيق عنها كل قواميس الدنيا، فالخليجي نتيجة لهذا الحادث الفردي يغدو في نظر الآخرين همجيا، ومتخلفا، وبشعا، ومستغلا، ومغتصبا لحقوق الغير، وكائنا جنسيا لا هم له سوى إشباع غريزته... وضع بعد هذا ما شئت من الصفات التي تحط من شأن الخليجي وتبرز مثالبه، حتى يصبح رمزا لكل الشرور التي في الدنيا.
وينشر موقع آخر تحقيقا أو رأيا سلبيا لبعض النقاد عن فيلم مصري يتناول قضية اجتماعية فتبدأ الحملة على كل ما هو مصري منذ عهد الفراعنة الأوائل وحتى يرث الله الأرض ومن عليها، مرورا بكل المراحل التاريخية التي مرت بها مصر عبر كل العصور القديمة والحديثة.
ويُقدِم سوري على ارتكاب جريمة عادية تحدث في كل مجتمعات الدنيا فيصبح السوري في نظر رواد المواقع الإلكترونية مجرما بالفطرة، ويتحول القطر السوري من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه إلى غابة، ويغدو المغتربون السوريون خارج وطنهم عصابات إجرامية علينا أن نتخذ كل إجراءات الحيطة والحذر منها.
وعلى هذا المنوال تتكون أفكارنا لتشكل جيلا حاقدا على كل الشعوب والأمم، ينظر في المرآة فلا يرى إلا نفسه التي تخدعه فتصور له أنه الصواب الوحيد في هذه الحياة وأن كل ما عداه خطأ فادح يجب اجتثاثه من على وجه الأرض.
نحن والآخر قضية إشكالية شائكة ليست حديثة ولا هي من نتاج عصرنا، فجذورها ضاربة في عمق التاريخ لا يمكن لأحد أن ينكرها، لكن وسائل الاتصال الحديثة أتاحت لها أن تأخذ أبعادا أكبر مما كان متاحا لها، حتى أصبحت ظاهرة تستحق أن نوليها من الاهتمام ما تستحقه، كي لا نتحول بمرور الوقت إلى كائنات منكمشة على نفسها، بينما غيرنا يعمل ويحرز مراكز متقدمة، تاركاً إيانا في أماكننا، نتهكم على الآخرين، ونندب حظوظنا العاثرة، ولا نرى أبعد من مواقع أقدامنا.
كاتب إماراتي