رغم سيطرة الأزمة المالية العالمية على الاهتمام، خاصة في ظل الانهيار الكبير في البورصة المصرية مثل كل البورصات العربية والعالمية، إلا أن قضية الصحافة استطاعت أن تفرض نفسها على الجميع، وأن تستحوذ على جانب كبير من انتباه الرأي العام الذي يتابع قضايا حبس الصحافيين في جرائم النشر باعتبارها جزءاً أساسياً من قضية أكبر هي قضية الإصلاح السياسي الذي لابد أن تكون حرية التعبير إحدى ركائزه الرئيسية.
في يوم واحد في بداية الأسبوع الماضي، كانت المحاكم تنظر في عدد من قضايا النشر المهمة في مقدمتها الاستئناف المقدم من أربعة من رؤساء تحرير الصحف الخاصة والحزبية في الحكم الابتدائي الصادر بحبسهم لمدة سنة بتهمة الإساءة إلى قيادات الحزب الوطني الحاكم، ثم القضية المرفوعة من شيخ الأزهر ضد رئيس تحرير صحيفة «الفجر»عادل حموده ومعه أحد محرري الصحيفة والتي يتهمهما بالقذف والسب في حقه وإهانة الأزهر الشريف لانتقادهم ما أشيع عن مشاركته في مؤتمر بالفاتيكان.
وكانت هناك قضية ثالثة مرفوعة من أحمد عز الرجل القوي في الحزب الوطني الحاكم وإمبراطور صناعة مصر ضد رئيس تحرير صحيفة «الكرامة» عبد الحليم قنديل بسبب الهجوم الذي شنه عليه في صحيفته والذي اعتبره إهانة له وافتراء عليه.
وقبل أسبوع واحد من موعد نظر هذه القضايا كان المناخ شديد التعقيد، وكانت المخاوف كبيرة من أن يتحول هذا اليوم إلى يوم أسود حقيقي في تاريخ الصحافة المصرية لو صدرت أحكام مثل الحكم الذي كان قد صدر قبل عيد الفطر بحق رئيس تحرير صحيفة «الدستور» بالحبس لمدة شهرين بتهمة نشر شائعات غير صحيحة تتعلق بصحة الرئيس مبارك. وكان هذا الحكم واجب التنفيذ، وكانت الجهود تبذل لاستصدار قرار من النائب العام بتأجيل تنفيذ عقوبة الحبس لحين نظر الطعن في الحكم أمام محكمة النقض، وهو إجراء يستغرق وقتاً طويلاً ويعطي الفرصة لتسوية الأزمة.
لكن الرئيس مبارك فاجأ الجميع باستخدام سلطاته وإصدار عفوا رئاسيا عن تنفيذ العقوبة الصادرة بحق رئيس تحرير الدستور، وبهذه الخطوة التي استخدم فيها الرئيس مبارك سلطاته لأول مرة في قضية صحافية، تغير المناخ الذي كان ينذر بأزمة بين الصحافة والسلطة التنفيذية، وترقب الجميع الموقف وانعكاسه على باقي القضايا، خاصة أنها ـ باستثناء قضية شيخ الأزهر ـ مرفوعة من أطراف في الحزب الوطني الذي رفض رئيسه (الرئيس مبارك) السماح بحبس صحافي في قضية تمس شخصه.
وبالفعل، مر اليوم العصيب بأقل الخسائر، حيث تم تأجيل قضية الحزب الوطني ضد رؤساء التحرير الأربعة، وتم تحويل قضية أحمد عز إلى دائرة أخري، بينما أسقطت المحكمة في قضية شيخ الأزهر تهمة إهانة الأزهر الشريف، وبالتالي كان الحكم بالغرامة فقط في تهمة السب والقذف. كل هذه التطورات وضعت من جديد قضية الحبس في قضايا النشر في بؤرة الاهتمام، وأعادتها إلى أجندة العمل الوطني والجهود المستمرة على طريق الإصلاح السياسي في مصر. وهنا ينبغي التأكيد على عدة نقاط أساسية:
* عندما كلفني الرئيس مبارك بان انقل للصحافيين المصريين والرأي العام قبل أكثر من أربع سنوات ما استقر عليه من إلغاء لعقوبة الحبس في جرائم النشر، كان التصور أن يتم ذلك على الفور، وألا تستغرق التعديلات القانونية المطلوبة وقتاً طويلاً. ولكن المناهضين لكل خطوة على طريق الديمقراطية والإصلاح السياسي وضعوا العراقيل أمام تنفيذ هذه الخطوة.
* بعد معركة طويلة وصعبة تم تحقيق خطوة مهمة على الطريق بالتعديلات القانونية التي صدرت بعد عامين ونصف من وعد الرئيس مبارك، والتي تضمنت إلغاء الحبس في جرائم عديدة منها القذف والسب وهي الأساس في جرائم النشر، كما منعت تعطيل الصحف بأي طريقة كانت. ولكن بقيت مواد أخري في قانون العقوبات وغيره من القوانين تعاقب بالحبس، وتم الاتفاق مع الحكومة على أن مراجعتها في خطوة تالية. وهو الأمر الذي لم يتم حتى الآن.
* ما ينبغي التأكيد عليه هنا انه منذ وعد الرئيس مبارك بهذا الشأن في فبراير 2004 وحتى الآن، لم يتم حبس صحافي واحد في مصر بسبب قضية نشر. وفي بعض الحالات التي صدرت فيها أحكام واجبة النفاذ تمت تسوية الأمر كما حدث مع وزير الإسكان السابق.
وهكذا يجيء العفو الرئاسي الصادر من الرئيس مبارك عن رئيس تحير «الدستور» إبراهيم عيسي ليؤكد هذه القاعدة. ولكن هذا لا ينفي الحاجة إلى التنفيذ العاجل لما تم الاتفاق عليه مع الحكومة واتخاذ الخطوات للانتهاء من كافة التعديلات المطلوبة لإلغاء عقوبة الحبس من باقي جرائم النشر، وقصر العقوبة على الغرامة والتعويض الأكثر ردعاً والأشد فعالية.
* إن هامش الحرية في الصحافة المصرية الآن هو هامش غير مسبوق منذ فترة طويلة، ولكن هذه الحرية تحتاج لتحصينها بالقانون لتواصل دورها في محاربة الفساد وفي السير على طريق الإصلاح السياسي وفي بعث الحيوية في حياة حزبية راكدة. وهو ما ينبغي أن يكتمل على الفور انطلاقاً من حقيقة أن العفو الرئاسي الذي أصدره الرئيس مبارك هو تأكيد لمن لا يريد أن يفهم أن عهد حبس الصحافيين (وغير الصحافيين) في جرائم النشر قد انتهي منذ أن صدر الوعد الرئاسي قبل أكثر من أربع سنوات.
كاتب صحافي مصري
