الحديث عن التوصل إلى توافق أولي، بشأن بقاء القوات الأجنبية في العراق، يؤشر إلى اقتراب الدخول في فصل جديد، تلوح فيه معالم أفق الخلاص؛ لهذا البلد. برهان الضوء في ذلك ـ بصرف النظر عن خلافات واعتراضات مشروعة حول بنود المسوّدة ـ لأنها المرة الأولى التي تتقرّر فيها الجدولة وتتحدّد المواعيد لانسحاب مبرمج؛ ينتهي برحيل الاحتلال، إلى غير رجعة. وذلك بحدّ ذاته فتحة ضوء، طالما كانت مفقودة؛ بسبب رفض إدارة الرئيس بوش المتواصل، في السابق، التسليم بفكرة الجدولة، أصلاً.
اختلفت الظروف، والاضطرار فرض نفسه عليها. لكن وضع السقف الزمني للانسحاب الكامل ـ قبل نهاية 2011 ـ لا يكفل لوحده، تحقيق مثل هذا الخلاص. هذا الأخير يبقى مرهوناً، إلى حدّ بعيد، بتصحيح الوضع العراقي الداخلي؛ بحيث يصبح قادراً على ملاقاة الموعد بصورة تكفل وضع الختم بالشمع الأحمر على حقبة الاحتلال؛ والانتقال الفوري إلى مرحلة استرجاع السيادة إلى العراقيين ودولتهم. الاتفاقية الأمنية بين واشنطن وبغداد، دارت حولها مفاوضات طويلة؛ تخلّلها الكثير من الشدّ والردّ. بنودها شائكة وحسّاسة.
التعايش بين ممارسة السيادة الوطنية، وبين الوجود العسكري الأجنبي؛ مسألة تقرب من حدود الاستحالة. لكنه الخيار الوحيد المتاح الآن. التحدّي كان في اجتراح الصيغة المقبولة.
الإدارة الأميركية، مارست ضغوطاً، غير خافية، لإبرام الاتفاقية قبل نهاية العام الجاري وبشروط تعطيها وضعية ممتازة، لأمد لكن بالنهاية بدا أن المطالب حكمتها تسوية ما.
أكثر البنود حساسية ومثار جدل، كان موضوع الحصانة للقوات الأميركية. حسب المتداول، توفر الاتفاقية هذا الامتياز للجنود الأميركيين، المتوقع انسحابهم من مراكز المدن العراقية نهاية يونيو المقبل، فقط داخل معسكراتهم. وكذلك في العمليات التي تشارك فيها هذه القوات والتي تجري بموافقة الحكومة العراقية؛ شرط أن لا ترتكب خلالها عمليات قتل أو إهمال. بنود أخرى جرى حسمها، أيضاً. كما أن ثمة نقاطاً ما زالت عالقة.
وفيما يجري الحديث عن اقتراب موعد إبرامها، بعد موافقة البرلمان العراقي عليها؛ ترتفع تحذيرات وتحفظات عراقية عديدة ضدها. وذلك أمر طبيعي. لكن اللقاءات والمباحثات السياسية المكثفة جارية في بغداد، على قدم وساق، بخصوصها؛ لبلوغ إجماع وطني حولها. هنا تكمن ضمانة العبور السليم، إلى ما بعد 2011.
وهنا أيضاً الشرط الذي لا غنى عنه، لطيّ صفحة الاحتلال؛ من غير تمديد. لكن ليتحقق مثل هذا الإجماع، لا بدّ وأن ينهض على توافق؛ قوامه معالجة مواطن الخلاف السياسي، في البلد. تحديد موعد مبدئي لرحيل الاحتلال، أمر هام. الأهم أن يسبقه تصحيح للمعادلة، بحيث تصير جاهزة لاحتضان وضع ما بعد ذلك الموعد.
