العلوم بما تعنيه من اتصال مع العالم ومعرفة اللغات الأجنبية تشكل مفاتيح هامة لفهم الآخر أياً كان، لكن هذا يتم إهماله بشدة لدى رجال الدين المسلمين وثمة إلحاح على التعامل مع الآخر من منطلق تفسيرات ضيقة مستمدة من النصوص أو التاريخ. على هذا فإن رجال الدين المسلمين يبدون مشدودين للتاريخ أكثر مما هم على صلة بالحاضر. إن الحاضر لا يثير فيهم سوى التوتر، وفي أفضل الأحوال فهو امتداد لتاريخ قديم مستمر وقائم.

قد تقدم لنا مفردات رائجة منذ سنوات مثل «الصليبيين» و«الرافضة» و«النواصب» علامات على هذا الانشداد المرضي للتاريخ. إنها الكلمات التي يضج بها خطاب الاحتراب الطائفي السائد منذ سنوات، وهو بهذا يفصح بجلاء عن أن هذا الاحتراب الرائج في الحياة اليومية المكتوم والظاهر منه، ليس سوى إعادة إنتاج لفولكلور تاريخي قديم فيه الكثير من الافتعال والأسطورة والخيال الجامح والمبالغات غير العقلانية أنتجتها مخيلة شعبوية تتعامل مع التاريخ وكأنه نزاع بين أحياء.

لكن هذا كله يدور في ذروة تدين شديد بدأ منذ عقد الثمانينات من القرن العشرين الماضي فيما عرف ب«الصحوة الإسلامية»، وهذا بلا شك خلل جسيم من شأنه أن يدفعنا للتساؤل حول هذا التدين نفسه والمآل الذي آلت إليه الصحوة في شقيها «السني» و«الشيعي» منذ أواخر سبعينات القرن الماضي. لم لا وكل القادة والرموز المرموقة من رجال الدين المؤثرين في العالم العربي والإسلامي تؤكد وتدعو ليل نهار إلى الوحدة الإسلامية وتشدد على أن المسلمين سواء.

لكن هذا الخلل في أحد جوانبه يقودنا إلى رجال الدين المسلمين أنفسهم، فإذا كان الجهل باللغات الأجنبية والعلوم الحديثة احد السمات الملحوظة بسهولة لعزلة ثقافية ونفسية، فإن الملاحظة الأهم ستبقى إنهم مهما تبحروا في الفقه ومهمات بلغ علمهم وورعهم مؤثرين في حدود مذاهبهم فقط.

إن لدى كل من الطائفتين الكريمتين «السنية» و«الشيعية» رجال دين كبار مؤثرين وموقرين يمثلون مراجعا للملايين، لكن من النادر أن تجد بينهم من هو قادر على تحقيق اختراق كبير خارج حدود مذهبه.

يحظى الكثير منهم بالاحترام لدى الآخرين من غير أتباع مذهبه، وغالبية الفاعلين منهم ينشطون في هيئات ومنتديات إسلامية إقليمية ودولية توفر لهم قنوات تواصل مستمر، رغم هذا فإن جهودهم لا تثمر سوى القليل أمام معضلة وتحد مثل «تصاعد النزعات الطائفية» مثلاً.

أوضاع السنوات الأولى من الألفية الثالثة مختلفة حتما عن أوضاع القرن التاسع عشر، لكن منذ ذلك القرن لم يشهد العالم الإسلامي رجل دين بمثل شخصية وتأثير جمال الدين الأفغاني. فمن حياة مضطربة في أفغانستان، لعب الأفغاني دورا مؤثرا بقوة في المنطقة العربية وإيران وتركيا في ذروة صراع إمبراطوريات القرن التاسع عشر وفي ذروة الصراع الاستعماري بين القوى الأوروبية المتنافسة.

وهو تأثير لن ينكره حتى خصومه لكنه سيقودنا إلى التساؤل حتماً عن الأسباب التي جعلت الأفغاني يمتلك مثل هذا التأثير. لقد مارس الأفغاني تأثيره الواضح أينما حل وفي كل البلدان التي استقر فيها حتى لفترة وجيزة. في الهند وإيران ومصر وتركيا، كان الأفغاني على الدوام محاطا بالتلاميذ والمريدين الذين لعبوا بتأثير أفكاره وتحفيزه المستمر أدوارا كبرى في بلدانهم.

سواء أكانت الثورة الدستورية في إيران عام 1906 وقبلها تحريض المرجع الشيرازي على استصدار فتوى تحريم التبغ لمحاربة الاحتكار الانجليزي، أو ثورة عرابي باشا في مصر، كان الأفغاني مناضلا عنيدا من اجل الوحدة الإسلامية ومناهضا للتدخل الأجنبي وداعيا للنهضة الفكرية والثقافية والعلمية.

لقد حاربه الانجليز بقوة وطردوه من مستعمراتهم (الهند ومصر) كما حاربه ملوك فارس والسلاطين العثمانيين، لكن المضحك هو آراء منتقديه الذين قالوا عنه انه «ماسوني» و«شيعي» و«عميل للانجليز». فأي «عميل» هذا أو «ماسوني» ظلت تطارده الإمبراطورية البريطانية وحكام ثلاث دول حاولوا استمالته ثم قادوه بالسلاسل من منفى إلى آخر؟

لقد كان مثيرا للجدل وحتى الآن لا يعرف مذهبه، لكن ألا ترون أن هذا ميزة تحسب له؟ فما هو الأهم بالنسبة لدعوة الوحدة الإسلامية؟ أن تصدر من شيعي أو سني؟ وهل سيستميت «الماسوني» في نضاله من اجل الوحدة الإسلامية إلى حد دفع حياته ثمنا؟

لقد نشط الأفغاني في إيران الشيعية وفي مصر السنية، وجمع حوله أثرياء متنورين وفقراء ورجال فكر وثقافة. وبتأثير أفكاره، نشبت ثورات متتالية مثل الموجات الارتدادية في وجه المستعمرين الأجانب وضد الاستبداد والحكم المطلق، وظل تأثيرها مستمرا ومتواليا على أكثر من وجه وفي أكثر من ميدان خصوصا في الصحافة والثقافة. فهل المهم أن يكون الرجل شيعيا أو سنيا أم المهم هو ثمار أفكاره وما يفعله؟

إن هذا التأثير الكبير للأفغاني سيقودنا حتما إلى أسباب أخرى تتعلق بشخصيته وأسلوبه. لقد أجمع الكثير من المؤرخين أن الأفغاني كان يعتمد على مخاطبة العقل وكانت له طرق مبتكرة في الحديث وبشرح أكثر المسائل تعقيدا بأسلوب مبسط فيه طرافة، ويدفع تلاميذه ومستمعيه دوما إلى البحث والتفكير وتحفيزهم على الاهتمام بالأدب والخطابة وكتابة المقالات.

هذه الخصال مؤشر على وعي عميق بدور رجل الدين يتعدى الوعظ بالتأكيد إلى ما هو أشمل، ففي النهاية لم يكن تلاميذ الأفغاني كلهم رجال دين بل قادة مدنيون وكتاب ومثقفون تحول بعضهم إلى زعماء سياسيين مدنيين فيما بعد مثل سعد زغلول وقادة ثورة «المشروطية» في إيران عام 1906.

هذا وحده كاف للمقارنة الآن مع رجال الدين المعاصرين ولعلهم بحاجة إلى استذكار أمثولة الأفغاني واستقرائها بعمق لكي يدركوا هذا الخلل الجسيم الذي نعيشه في مفارقة كبرى: تدين شديد وكثيف وظاهر وشاخص لكنه أثمر احتراباً طائفياً يتعمق يوما بعد آخر.

كاتب وصحافي بحريني :m.alobaidley@gmail.com