ربما أصبح بديهيا للغالبية من الناس أن وراء ما يجري في العالم الآن من أزمات وصراعات ونزاعات،، سببا رئيسيا هو انفراد أميركا كقوة كبرى واحدة بالقوة العسكرية والاقتصادية والهيمنة السياسية على العالم، في غياب قوى أخرى موازية.
وسعيها إلى منع صعود أي قوة أخرى موازنة في أي من مناطق العالم بدءاً بروسيا ومرورا بالصين وانتهاء بأوروبا، وعدم التوازن يعني في حد ذاته الخلل، والخلل يأتي بالأزمات والكوارث لأنه يفتح المجال للأطماع والجشع وفرض الهيمنة واستغلال الشعوب الأخرى لتحقيق مصالح قطب أوحد لا يرى في العالم من يستحق الحياة مثله.
قد نشهد حربا هنا وسلاما هناك، وتقدما هنا وتراجعا هناك، وحماقة هنا وحكمة هناك، وفي حين تبدو أسبابها المعلنة بعيدة عن الأرباح المالية والسيطرة على منابع النفط ومصادر الطاقة الأخرى وقريبة من الديمقراطية وحقوق الإنسان، إلا أنها في الواقع أقرب ما تكون إلى المصالح الخاصة البحتة وأبعد عن كل المبادئ المثالية الملونة.
بدءا من القوقاز حيث نفط بحر قزوين، مرورا بالشرق الأوسط حيث نفط الخليج، وانتهاء بأفريقيا حيث نفط نيجيريا وليبيا والجزائر والسودان. لقد استغلت الولايات المتحدة الأزمة التي عصفت بالاتحاد الروسي في التسعينيات، للانفراد بالشرق الأوسط وأفريقيا.
واعتادت أثناء فترة الضعف على لعب دور القوة العظمى الوحيدة في العالم. واستمرأت واشنطن تلك الأنانية المتضخمة حتى باتت تعتبر العودة إلى تقاسم النفوذ مع أيٍ كان، لا مع روسيا أو الصين فقط بل حتى مع فرنسا أو بريطانيا، يعتبر تطاولا على مصالح أمريكا القومية!
وبسبب تفاقم أزمة الموارد الطبيعية في العالم والصراع على مصادر الطاقة مثل النفط والغاز، اضطرت واشنطن أحيانا إلى اتخاذ خطوات استثنائية بالاستهلاك من مخزونها الاستراتيجي من النفط الخام.
مما دفعها إلى التطلع للسيطرة على مناطق أخرى تحت أي غطاء من الحجج أو الشعارات البعيدة عن الغاز والنفط للحصول على الغاز والنفط، ولأن السيطرة لا تأتي بسهولة بل لابد من القوة، فمن هنا تأتي سياسة اصطناع الحروب بأي أسباب وهمية أو غير منطقية.
لذلك ولأسباب أخرى تتبادل فيها لوبيات السلاح مع لوبيات النفط الأدوار لإشعال الحروب في مناطق إنتاج النفط لفرض السيطرة الأميركية على منابع النفط خارج حدودها وقريبا من الحدود الروسية، كان لابد لمصالح القوتين الكبريين التقليديتين أن تتضارب.
وها هي حقول النفط العراقية أصبحت تحت سيطرة أميركا بحجة نشر الديمقراطية، أما الخطوة التالية فستكون باتجاه إيران الثانية بعد روسيا من حيث احتياطي الغاز الطبيعي، للسيطرة على نفطها بحجة خطر برنامجها النووي السلمي!!
وفي هذا لا يستبعد الكثيرون أن تكون روسيا الهدف التالي إذا ما استطاع الأميركيون فرض سيطرتهم على إيران. لهذا يبدو جليا ذلك الارتباط بين ما يجري في القوقاز وفي الخليج.. والتحركات الأميركية نحو أفريقيا.
وقد تعوق الأزمات المالية والاقتصادية الجارية الآن في الولايات المتحدة سياسات السيطرة على الطاقة وافتعال الحروب، ولكن هذا لا يعني توقف أو انتهاء هذه السياسات، بل إنها مستمرة طالما استمرت جماعات النفط والتصنيع الحربي في الولايات المتحدة تهيمن على صناعة القرار في واشنطن وتوجه البيت الأبيض والبنتاجون كيفما تشاء، ولا يختلف الأمر كثيرا مع رئيس جمهوري أو ديمقراطي، طالما هذه الجماعات موجودة وتنظر للعالم كله كأنه رقعة شطرنج تحرك قطعها هذه الجماعات كيفما تشاء.