جسدت المبادرة التي طرحها الرئيس السوداني عمر البشير في افتتاح مؤتمر «أهل السودان» لحل نزاع دارفور محطة فاصلة في مسيرة تسوية النزاعات الداخلية في الأقطار العربية، لجهة استعادة زمام المبادرة من قبضة القوى الأجنبية وأصحاب المصالح والنافخين في نيران الفتنة.

والحاصل أن هؤلاء يتسترون بشعارات الدفاع عن حقوق الأقليات والحكم الرشيد وهدفهم الحقيقي تمزيق النسيج الوطني وتفكيك الدولة القطرية، وتحويلها إلى كانتونات طائفية. وبقدر ما تتضمنه مبادرة البشير من منطلقات ومرتكزات لصياغة حل سلمي دائم وشامل لقضية دارفور، بقدر ما تفرضه من ضرورة التحلي بأعلى قدر من التيقظ والحذر، لسد ثغرات قد ينفذ منها الساعون لإجهاض تلك المبادرة وإهدار أول محاولة جادة لطي ملف الصراع.

في هذا السياق جاء تحذير الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى من أن المبادرة يجب ألا يسمح لها بالفشل، ومخاطبته جميع أهل السودان أن يحتكموا إلى منطق الحوار وان يبتعدوا عن منطق السلاح.

وقبل أن يجف مداد مبادرة البشير سارعت حركات التمرد المسلحة برفض الدعوة للحوار وزادت بوصفها بأنها «علاقات عامة» بل وحكمت عليها مسبقاً بالفشل. الأمر الذي يدعو للتأمل في ذهنية قادة هذه الحركات، ووضع صدقية ولائهم الوطني على المحك.

ويصب في اتجاه قراءة موقف هذه الحركات المسلحة موقفها السابق بشن هجوم على أم درمان وفق استعراض مسرحي فاشل لجذب أنظار الإعلام الدولي ومحاولة تقديم صورة وهمية عن قوتها ونفوذها. ولشراء وزن نسبي لها لدى الداعمين والكفلاء الدوليين.

هذا موقف يتناقض بالمطلق مع منهج تسوية النزاعات الداخلية، الذي رسخه ميراث حركات التمرد الساعية لنيل حق تقرير المصير أو الحكم الذاتي. حيث وظفت السلاح لصالح تسريع عجلة الحوار، حدث هذا في ايرلندا وغيرها من بلدان العالم شمالاً وجنوباً.

والحقيقة أن أي حركة تمرد ترفض الحوار تحفر قبر وطنيتها، وتضع نفسها في خدمة الأجنبي ومصالحه، التي تتعارض باليقين مع المصلحة الوطنية. والشاهد أن هناك أجندات أجنبية (غربية وأميركية وإسرائيلية) توظف نزاع دارفور لأغراض ليست لصالح السودان، بل لإهدار ثرواته وتبديد وحدته الوطنية وإنهاكه في حرب عبثية.

ولمواجهة مثل هذا الخلل حري بأهل السودان أن يحافظوا على زخم المبادرة، ويسدوا ثغرات يتسلل منها الراغبون في إجهاضها، ويبذلوا قصارى الجهد لكسب اهتمام وتفاعل الأغلبية الدارفورية الصامتة لصالح الحل السلمي والحوار. عندئذ سينكشف اللاعبون على ساحة الصراع، ويظهر الوزن الحقيقي لقادة التمرد المسلح الرافضون للحوار.