تسونامي مالية أم 11 سبتمبر اقتصادية، هذه هي بعض الأوصاف التي تطلق على الأزمة المالية العالمية والتي تعكس حدة المخاوف من أزمة بدأت أزمة إقراض عقاري في الولايات المتحدة لتكبر ككرة الثلج وتحدث تداعيات مستمرة ومتزايدة طالت كل قطاعات النشاط الاقتصادي وكل مناطق العالم ولو بأوقات مختلفة. حتى آسيا التي ظن البعض أنها ستبقى في منأى عن هذه الأزمة باعتبار أن نموها يزداد اعتمادا على الطلب الداخلي لم تستطع أن تصمد طويلا كما دل على ذلك حال بعض البورصات الآسيوية.
ويبدو أن خطة الإنقاذ المالي الأميركية التي تم تمريرها بعد محاولة ثانية في الكونغرس وهي بحدود 700 مليار دولار ومعها تدخل مجلس الاحتياط الفيدرالي بحوالي 900 مليار دولار، يبدو ذلك كله وكأنه محاولة للحد من الخسائر أو إبطاء سرعة قطار الانهيار المالي العالمي المندفع بقوة نحو المجهول.
جملة من الملاحظات يمكن إدراجها حول هذه الأزمة أميركية المصدر والتي احتلت الصدارة الكلية على الأجندات الوطنية والإقليمية والعالمية:
أولا ان تشبيهها بأزمة 1929 يفتقر إلى الدقة من حيث حجم النتائج المحتملة لهذه الأزمة مقارنة بتلك التي حصلت منذ ثماني عقود بسبب طبيعة الاقتصاد المعولم وثقل الاقتصاد المالي وحجمه وانتشاره مقارنة مع عام 1929الأمر الذي يجعل الأخيرة وكأنها بمثابة «نزهة في حديقة» مقارنة مع التداعيات المستمرة بالنسبة للأزمة الحالية.
ثانيا: إن هذه الأزمة كما وصفها عن حق الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي تعبر عن نهاية نظام وتحديدا عن نهاية منطق الحرية الاقتصادية الكلية وإذا أردنا استعمال تعبير صار طاغيا في السنوات الأخيرة فإن الأزمة الحالية تؤشر إلى «نهاية التاريخ» بشكل مزدوج: نهاية الثورة التاتشرية الريغانية التي حملت النيولبرالية الاقتصادية وسمحت بهيمنة الرأسمالية المالية.
وكذلك بالحرية الكلية لآليات السوق وقضت بشكل كبير على أي دور تدخلي للدولة واعتبرت دور هذه الأخيرة بمثابة عائق أساسي أمام النمو والازدهار الاقتصادي، كما أنها نهاية تاريخ مركزية وهيمنة القطب الأميركي في النظام الاقتصادي العالمي الذي نشأ غداة الحرب العالمية الثانية ويقول وزير مالية ألمانيا عن حق بأن النظام المالي العالمي الذي سينشأ من خضم هذه الأزمة سيكون نظاما متعدد الأقطاب.
جملة من العوامل دلت على هذا التحول في شأن مركزية القوة الاقتصادية المالية منها أن هناك اقتصادات ناشطة لا تعتمد على الولايات المتحدة وتنشط في أقاليم متعددة في العالم وتقيم فيها نفوذها الاقتصادي كما أن من مظاهر هذا الانتقال أن دولا تعتمد اقتصاد الدولة الرأسمالي ساهمت في التحول الذي حصل بانتقال الثروات من الولايات المتحدة وأوروبا نحو آسيا والشرق الأوسط وروسيا.
بسبب مصادر الطاقة والمواد الأولية التي تملكها هذه المناطق والدول. ففي السنوات القادمة ستبقى الولايات المتحدة كما تذكر صحيفة وول ستريت جورنال مركزا حيويا للاقتصاد العالمي لكنها لن تكون المركز الوحيد.
ثالثا: كشفت المحاولة الأولى لاعتماد قرار خطة الإنقاذ الأميركية في الكونغرس وفشلها عن حالة استقطاب ايديولوجي سياسي كبير في الولايات المتحدة فيما يتعلق بالدور التدخلي للدولة. والمثير للاهتمام ان طرفي النقيض اسقط في المرة الأولى خطة الإنقاذ هذه فجماعة اليمين يرفضون بشكل مبدئي الدور التدخلي للدولة الذي قد يدفع إلى تعزيز هذا الدور مستقبلا فيما جماعة «اليسار» الأميركي لا يريدون للمجتمع ان ينقذ عبر الدولة الرأسمالية المالية التي تقوم على المضاربات مما يطرح نقاشا جديا في الولايات المتحدة حول دور الدولة في الاقتصاد.
كما أن الأزمة أدت إلى انتقال القرار في الولايات المتحدة من وول ستريت إلى واشنطن بما يرمز إليه هذا الانتقال من تحول القرار من عاصمة المال إلى عاصمة السياسة أو من منطق السوق الحرة كليا إلى منطق الدولة.
رابعا: انطلق حوار فكري عند الاقتصاديين والسياسيين حول ضرورة «عودة الدولة» إلى لعب دور المنظم والمشرف والراعي على النشاطات الاقتصادية على الصعيد الوطني دون الاتفاق بالطبع على حجم هذا الدور وطبيعته ومع الأخذ بعين الاعتبار ان طبيعة هذا الدور تختلف حسب حالات البلد ذاته فيما يتعلق بمستوى نموه الاقتصادي.
لكن المفاهيم «الكينيزية» تبدو وكأنها عائدة بقوة وبمصداقية إلى الأدبيات الاقتصادية الدولية فالسؤال المطروح لم يعد يتعلق بسيطرة الدولة على السوق كما كانت الحال في الاقتصادات الشيوعية والاشتراكية المختلفة وكرد فعل على الفشل الذريع الذي حملته سياسات سيطرة السوق شبه الكلية على الدولة بل السؤال يتعلق بكيفية صياغة علاقات جديدة بين الدولة والسوق.
كما ان هذه الأزمة قد فتحت الباب مجددا لتكاثر الدعوات لإقامة نظام مالي عالمي جديد أو ما سماه البعض بريتون وودس جديدة من اجل بلورة قواعد ونظم للتعامل المالي العالمي، ومن أجل إيجاد إطار دولي للتدخل على حساب الفوضى الكلية التي كانت تشكل عمليا أساس الرأسمالية المالية المهيمنة.
خامسا: دلت الأزمة على الحاجة الماسة لبلورة تعاون دولي جديد فاعل وشامل. تعاون يضم الدول الصناعية الثماني بالطبع ويضم أيضا قوى اقتصادية أخرى مثل الصين الشعبية والقوى الاقتصادية الإقليمية من اجل العمل على وضع أسس جديدة لنظام اقتصادي عالمي على حساب حالة الفوضى العالمية السائدة والتي أنتجت هذه الأزمة.
والجدير بالذكر ان هذه الأزمة دلت على حال الغياب الكبير للتعاون والتنسيق الفعلي بين القوى الغربية فواشنطن انطلقت لتعالج الأزمة وحيدة فيما القوى الأوروبية الأساسية الأربع الأعضاء في مجموعة الثماني لم تستطع التوافق في القمة التي عقدتها في باريس نهاية الأسبوع الماضي إلا على عناوين عريضة ومناشدات فيما كانت اليابان وروسيا خارج آليات هذا التشاور.
فأزمة من هذا النوع تستدعي التفكير مجددا بأهمية بلورة مقاربة دولية شاملة من حيث أطرافها الأساسيين والتحديات التي تتجه إليها هذه المقاربة للتعامل مع مشاكل وتداعيات اقتصاد معولم بدى وكأنه خارج أي إطار تنظيمي.
كاتب لبناني : hitti@wanadoo.fr
