تركزت تصريحات قيادة «ناتو» في الفترة الأخيرة على ضرورة وضع خطط للتسلح والإعداد العسكري لمواجهة روسيا، واعتبر قادة الناتو أن روسيا أصبحت تهدد أمن الدول الأعضاء، وطالب الجنرال الأميركي جيمس كريدوك القائد العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) من قيادات الحلف أن تضع خططا لحماية أعضاء الحلف الجدد من روسيا.

وتأتي هذه التصريحات على ضوء الاتفاق الروسي-اليوناني، والذي ستحصل بموجبه اليونان على420 من المدرعات الروسية «ب إم ب-3 م»، بعد أن حصلت على منظومات الدفاع الجوي «تور-م1»، التي تم توريدها أيضا إلى إيران في أواخر عام 2006، ومما لاشك فيه أن هذا الوضع يعكس تعارضا كبيرا بين مصالح العديد من أعضاء الحلف والسياسات التي تصر على تبنيها قيادة الناتو.

ويمكن القول بأن بوادر هذا التعارض واضحة، حيث وجه الفرنسيون انتقادات حادة لمواقف بعض الدول الغربية التي تطالب بالدخول في مواجهة اقتصادية وسياسية ضد روسيا، لتحجيم ما اعتبرته هذه الدول أطماعا توسعية.

وعكست زيارة المستشارة الألمانية ميركل إلى روسيا حرص برلين على العلاقة مع موسكو، بالرغم من تمسكها بتقييمها للأزمة الجورجية، إلا أنها في الوقت نفسه تنطلق من مصالح بلادها الحيوية وتسعى لضمان حصولها على الطاقة.

ولعل هذه البوادر تؤكد بأن مساعي قيادة الناتو لمواجهة روسيا وإعداد خطط عسكرية ضدها لابد أن تفشل ليس فقط بسبب المصالح المشتركة بين روسيا ودول أوروبا القديمة، وإنما أيضا بسبب تنامي التعاون العسكري بين روسيا من جهة وفرنسا واليونان من جهة أخرى.

وكانت اليونان قد حصلت من ألمانيا في أواسط التسعينات من القرن الماضي على 13 منظومة دفاع جوي من نوع «أوسا» كان يستخدمها جيش ألمانيا الديمقراطية. وحازت هذه المنظومات إعجاب اليونانيين، ما دفعهم إلى الإصرار على أن توافق روسيا على تزويدهم بمنظومات الدفاع الجوي «تور-م1» القادرة على التصدي لأي هجوم جوي في غضون الثواني المعدودة بعد اكتشاف طائرة أو صاروخ مهاجم.

كما عقدت اليونان صفقة لشراء عدد من منظومات الدفاع الجوي الروسية «س-300 ب م أو»، متخلية عن المنظومات الأميركية «باتريوت». من جهة أخرى مازالت قوات الحلف تعتمد على المساعدات الروسية في أفغانستان، وإيقاف التعاون مع روسيا في هذا القطاع سيؤدي لخسائر حقيقية للقوات الغربية.

ولعل تصريحات جيتس وزير الدفاع الأميركي أمام الكونجرس والتي أكد فيها ضرورة مواصلة التعاون مع روسيا في أفغانستان. حول حماية أمن حلفاء الولايات المتحدة بالقرب من الحدود الروسية، كانت تأكيدا واضحا على صعوبة تجاهل دور روسيا.

هذه الرؤية تعبر عن أراء الاتجاهات المحافظة في السياسة الأميركية، التي ترفض الاعتراف بتعددية الأقطاب في العالم. وهناك أراء أميركية ترى أن النتيجة الطبيعية لسياسات واشنطن قد أسفرت عن بوادر انقسام بين الولايات المتحدة وحلفائها في أفغانستان، استنادا لموقف قيادة القوات البريطانية في كابول والتي اعتبرت أنه لا يمكن تحقيق النصر في هذه الحرب.

ولابد من القول إن الناتو كمؤسسة دفاعية قد انتهى دورها، باعتبار أنها أسست لمواجهة الاتحاد السوفييتي وحلف وارسو، وتبديل الخصوم أو الأعداء لا يمكنها من البقاء على قيد الحياة، بسبب أن التطورات التي جرت في روسيا، وأسست لعلاقات بينها وبين الدول الغربية أدخلتها ضمن المؤسسات الغربية كمراقب، ما يعنى أن حالة الصراع الذي كان يدار من جانب الناتو قد انتهت.

ويسود اعتقاد بأن عملية تصعيد الهجوم على روسيا ليس أكثر من محاولة لإبقاء الناتو على قيد الحياة خاصة بعد أن فشل في كافة المهمات التي ألقيت على عاتقه منذ التسعينات وحتى اليوم، ولعل أبرز هذه المهمات القضاء على حركة (طالبان) وإحلال الاستقرار في أفغانستان.

لذا يمكن اعتبار انقلاب الناتو ضد موسكو اليوم سيزيد من أزمته، ليس فقط بسبب تعاون روسيا مع عدد من الدول الأوروبية في المجال العسكري وإنما أيضا لأن العديد من مشاريع الناتو تعتمد على المشاركة الروسية.

كاتبة ومحللة سياسية روسية : jannamarat@km.ru