ما أحوج مجتمعاتنا في الجزيرة والخليج العربي إلى الاستقرار، بل وما أحوج مجتمعاتنا العربية بشكل عام إلى الاستقرار، فعوامل الهدم الكامنة في بنائها، التي هي كالنار المشتعلة من تحت الرماد، قائمة في كل منها، ويمكن تحريكها، بل ربما تتحرك هي ذاتها من تأثير الصراعات الإقليمية هنا وهناك، بما تحمل هذه الصراعات وتثيره من فتن دينية ومذهبية وربما قومية!

فمجتمعاتنا في الخليج العربي مازالت تحبو في سلم الرقي والتطور والتحول من الأشكال التقليدية للسلطة والتنظيم الاجتماعي إلى الأشكال العصرية للمجتمعات الحديثة، وبالتالي فنسيجها الاجتماعي مازال هشاً وعرضة للتأثر أكثر بكثير من تلك المجتمعات المتطورة التي عركتها الصراعات والحروب والفتن، واستطاعت أن ترسي من النظم الاجتماعية تقنيناً وممارسة ما يقيها من عاديات الزمن وتقلباته.

فالمجتمعات الراسخة في التقدم استطاعت أن تطور المواطنة إلى درجاتها العليا، بحيث أصبح أفرادها مواطنين يدينون بالولاء الكامل لدولتهم وتمثلهم تلك الدولة خير تمثيل في قوانينها وممارساتها المادية والرمزية، بحيث أضحى التمييز في كل جوانبه المادية والمعنوية من مخلفات الماضي.

علاوة على قوة هذه الدول ومنعتها ورسوخ الشعور القومي لدى مواطنيها، مما يجعلهم في مأمن من التقلبات السياسية، بل إن تلك التقلبات هي في الغالب الأعم تقوي جبهاتهم الداخلية وتعزز تضامنهم وتبرز فيهم الروح الوطنية والولاء لتراب الوطن.

لا ندعي مطلقاً أننا لا نمتلك من تلك المقومات شيئاً، بل جل ما نقوله ان مجتمعاتنا قابلة أكثر للتأثر بالمحيط الإقليمي وباضطراباته، كونها صغيرة مساحة وسكاناً فضلاً عن مرورها بمرحلة انتقالية يطلق عليها علماء الاجتماع مرحلة «الانتقال من القبيلة إلى الدولة»، ويشمل بالطبع مصطلح القبيلة هنا الطائفة وكافة التجمعات والولاءات التي تسبق الولاء «للدولة القومية» والانتماء إليها.

ومجتمعاتنا في الخليج العربي ليست في مرحلة انتقالية من الناحية السياسية فحسب، بل هي من المفترض أن تكون في مرحلة انتقالية من الناحية الاقتصادية، من اقتصاد ريعي يعتمد اعتماداً كلياً على واردات النفط، إلى مجتمع يبحث عن سبل ووسائل لتنويع اقتصاده وإيجاد موارد بديلة لمرحلة ما بعد نضوب النفط. وبالتالي، فهو بحاجة إلى الاستفادة من إيراداته النفطية في سوق عالمية تتلاطم أمواجها.

وهو فوق هذا وذاك في أشد الحاجة إلى الهدوء والاستقرار لتدور عجلة التنمية فيه بيسر وسلاسة، مغتنماً الفرصة التاريخية التي لا تعوض والتي ستمر مر السحاب. ولعل العالم المضطرب أمامنا بأسواقه الهائجة التي لا يقر لها قرار، خير عبرة لنا بالاستفادة من طاقاتنا البشرية وتنميتها، فضلاً عن الاستفادة من الموارد المالية لسلعتنا الوحيدة التي نطرحها في السوق العالمي والتي تمثل عماد اقتصادياتنا.

فقبل مدة وجيزة ـ ربما أقل من شهور ثلاثة ـ كنا نتحدث عن فوائض مالية ضخمة احترنا في توفير الوسيلة للاستفادة منها، حيث كان سعر برميل النفط يحلق عالياً بحيث إنه كان يتجاوز المائة والأربعين دولاراً، وها هو يهبط الآن لمستوى السبعينات ولا نعلم إلى أي سعر متدن سيستقر عليه!

وهذا يعني خسارة ضخمة لنا، خاصة أننا كيفنا أنفسنا على أسعاره العالية وموارده الضخمة التي كانت تفيض عن حاجاتنا كثيراً، فزيادة الرواتب في بلداننا فضلاً عن التضخم الذي صاحبها، إضافة إلى الكثير من المشروعات التي تقوم بها دولنا، هي التزامات أصبحنا مكبلين بها، وهي التزامات تفترض بقاء عوائدنا النفطية عالية، وهو أمر غير مؤكد في ظل ركود اقتصادي عالمي بادٍ للعيان، وبالتالي طلب أقل على النفط، مما يعني انخفاضاً لأسعاره.

ولعل أزمة أسواق المال التي نمر بها، والتي أثرت بالتبعية على أسواقنا وبالتالي أثرت على قطاع واسع من أفراد مجتمعاتنا، لمناسبة لتطوير أنظمتنا الاقتصادية ووضع ضوابط لها بما يقينا من تقلبات الاقتصاد العالمي الذي أضحى سوقاً واحدة بفضل العولمة وتطور وسائل الاتصال.

ولعله من المفيد أيضاً تنمية وتطوير الوعي التوفيري والاستثماري لدى مواطنينا، بتبصيرهم سبل الاستثمار المختلفة والمتنوعة والتي تتجاوز كثيراً النشاط في أسواق المال، لتنطلق إلى مجالات أرحب كالصناعة والزراعة والسياحة والتجارة وغيرها.

ثم تبصيرهم أيضاً بأن الاستثمار في أسواق المال لا يقتصر على المضاربة فحسب، بل قد يضع المرء جزءاً من مدخراته في أسهم منتقاة، حيث يستفيد من توزيعاتها السنوية، مما يشكل له عائداً استثمارياً جيداً دون الحاجة إلى الدخول في مخاطر المضاربة.

وقد يكون تطوير رأس المال البشري أهم مقومات تنميتنا واغتنامنا لفرصها الذهبية التي هي أمام مجتمعاتنا، فلا تطور ولا تنمية إن كان مواطنونا بعيدين عما يجري في عالم الاقتصاد وظلوا يتكاثرون ويتزايدون في الوزارات الحكومية ومكاتبها، لكي يمضوا الوقت دون عمل منتج ويأخذوا نصيبهم من الثروة الوطنية!

فإشراك هذه الألوف المؤلفة من جيش الموظفين الحكوميين الزائدين عن الحاجة، في نشاطات القطاع الخاص المتنوعة، بات من الضرورات الوطنية، بما يتبعه من إعادة تأهيلهم وتدريبهم، مع تطوير لمناهجنا التعليمية في سنواتها الأولى والعالية، لتصب مخرجاتها في سد النقص لدينا من العمالة الفنية ومن التخصصات التي يحتاجها سوق العمل لدينا.

فلنغتنم الفرصة التاريخية المتاحة أمامنا لننمي مجتمعاتنا ونطورها، ولنركن إلى الهدوء والسكينة، فلا تنمية إلا بالاستقرار.

كاتب كويتي : alyusefi@hotmail.com