الأزمة المالية التي شغلت ونكبت العالم، ربما اجتازت مرحلة الذعر والهلع. في أقله، حتى الآن. لكن ليس هناك من ضمان بعدم عودتها. كما ليس هناك ما يطمئن إلى توفر القدرة على التحكم بتداعياتها المكلفة، المرتقبة. للحيلولة دون هذه العودة، كما لتقليل الخسائر اللاحقة قدر الإمكان؛ دعا الأوروبيون إلى الإسراع في إصلاح النظام المالي الدولي؛ باعتبار أن أعطابه وعيوبه، كانت في أساس السقوط المدوّي.

إصلاح يحظى بشبه إجماع دولي وحتى أميركي. وحدها إدارة الرئيس بوش تتجاهله. وكأنها مصرّة على التشبث بالاستمرارية، حتى ولو أدّت إلى تكرار الأزمة؛ بحيث تأكل الأخضر واليابس هذه المرة. جبال السيولة، التي ضخّتها الحكومات الأميركية والأوروبية في المصارف، أدّت إلى شيء من التهدئة والتبريد؛ على الجبهة المالية من الانفجار.

انعكس ذلك في حالة الانتعاش، التي شهدتها الأسواق المالية، مطلع الأسبوع. لكن الفورة التي شملت هذه الأخيرة، من نيويورك إلى طوكيو، مروراً بأوروبا؛ كانت عابرة. عاد بعدها الانتكاس من جديد. تفسير ذلك، حسب قراءات الخبراء والمراقبين، أن السخونة انتقلت إلى الجبهة الاقتصادية الأوسع. انهيار من العيار الثقيل وغير المسبوق كالذي حصل، لن يمرّ من غير ثمن، ومن العيار ذاته.

تتراوح بخصوصه التقديرات، بين انكماش وكساد، مروراً بركود؛ اقتصادي عالمي؛ ولفترة غير قصيرة نسبياً. ما تحقق حتى الآن هو أن توفر السيولة والتأمينات أدّى إلى تهدئة الخواطر. خاصة على صعيد المودعين. لكن قنوات الإقراض - الذي يشكل الطاقة المحرّكة لعجلة الدورة المالية وبالتالي الاقتصادية ر ما زالت شبه مسدودة.

سواء بين البنوك، أو تجاه الزبائن من أفراد وقطاعات أعمال. وحتى المقترضين، لن يكونوا في وارد الاستلاف، ما لم يحصل انتعاش واعد، في الوضع الاقتصادي العام. ومثل ذلك مرهون، وحتى إشعار آخر، بابتعاد شبح الأزمة وما تستتبع من ركود محتوم.

ومن هنا تستمد المبادرة التي أطلقها الأوروبيون أهميتها. فالدعوة إلى إعادة النظر بالنظام المعمول به، لتنقيته من الثغرات وتحصينه بصمامات الأمان؛ تأتي في وقتها. التحرك بهذا الاتجاه بات ضرورة لا تقبل التأجيل؛ في ضوء الانفجار الذي كاد أن ينتهي إلى كارثة، على كل صعيد.

كان الأحرى بواشنطن أن تكون هي المبادر إلى مثل هذه الدعوة وأكثر. على الأقل لأنها كانت الساحة التي أشعلت صاعق التفجير؛ والتي تسببت ،أصلاً، في تجميع عوامله الملتهبة. لكن إدارة الرئيس بوش لم تكن بعيدة فقط عن أخذ زمام المبادرة؛ بل إنها ترفض، ولو ضمناً، أي إصلاح.

الرئيس بوش لم يتزحزح عن مقارباته ذاتها التي كانت في أساس البلاء. الإجراءات الاستثنائية اتخذت لأن هذه ظروف استثنائية، يقول. يعني ذلك أنه لا حاجة لأي إصلاح. حتى فكرة إقامة نظام «إنقاذ مبكر»، كما دعا رئيس الوزراء البريطاني براون، لم يتوقف عندها. من يعاند الحقائق العنيدة، كما يفعل الرئيس بوش؛ لن تكون له الغلبة. لاسيما وأنه في طريقه إلى التقاعد قريباً.