عانى لبنان منذ استقلاله وحتى اليوم من الطبيعة الطائفية لنظامه السياسي، لكنه عانى أكثر من القيادات السياسية المحلية الممعنة في إعطاء الفرص للقوى الإقليمية والدولية للتدخل في شؤونه والتي لا تنفك عن جر قوى خارجية للاستقواء بها على الشريك الوطني.

ومن نتائج تلك الأساليب أن وقع لبنان ساحة مواجهة بين قوى خارجية، أو على الأقل عرض قوة دولة ضد أخرى أو توجيه رسائل بين القوى الإقليمية أو الدولية. وظل بعض اللبنانيين أدوات هذه اللعبة التي تجلت أكثر ما تجلت أثناء الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي والغرب.

وظل لبنان هادئا ومستقرا بعد نهاية الحرب الباردة حتى قامت المواجهة بين أمريكا وإيران حيث تجددت الظاهرة مرة أخرى. ومن المفهوم أن تنجر أحزاب أو قوى سياسية نحو قوة خارجية تتقاسم معها الطبيعة الثقافية أو الأيدلوجية. لكن غير المفهوم أن يتم استقطاب قوى غير متسقة معها في الخط السياسي أو الطبيعة الثقافية والدينية. وتعكس هذه الصورة مدى السهولة التي يتم بها اختراق الجسم السياسي اللبناني، أو لنقل بوضوح سهولة تغيير المواقف السياسية عند بعض القيادات اللبنانية.

من المفيد للبنان أن تتفق قواه السياسية على مشتركات وطنية موحدة مثل السيادة والاستقلال والتنمية وتعزيز سلطة الدولة. لكن حتى أولئك الذين امتشقوا السلاح في الماضي باسم الوطنية اللبنانية تحولوا اليوم ليكونوا أدوات في مشروعات سياسية تنال حتى من هيبة الدولة ووحدة البلاد.

وبالنسبة لنا في المملكة العربية السعودية ظلت بلادنا مصدر دعم لوحدة لبنان واستقراره وسلامة ترابه الوطني. بل وتنميته الاجتماعية والاقتصادية. ومثلما أكد خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز فإن حكومة المملكة تقف على مسافة واحدة من الجميع ولم تكن مع طرف ضد آخر بل مع الجميع. رغم أن البعض، مدفوعا بأجندة سياسية ومصالح مرتبطة بغير لبنان، حاول زج المملكة في الخلافات اللبنانية.

ويشهد التاريخ أن المملكة قامت بجهد استثنائي مع أشقائها العرب لإنهاء الحرب الأهلية، ودعمت استقرار البلاد وساعدت اللبنانيين على التفاهم لتشكيل حكومتهم الوطنية. ولم يعرف عنها أنها سعت لتفريق اللبنانيين أو إثارة الضغائن بينهم مثلما يفعل البعض. وتمحورت مساعداتها المالية والتنموية على الحكومة اللبنانية وعلى الشعب اللبناني بكافة طوائفه.

وهذا لا يعني أن تتفق الرياض مع تصرفات وسياسات الجميع في لبنان ومنهم من قد يجرون البلاد إلى الحروب أو الفوضى الداخلية. لكنها تعبر عن آرائها بشفافية ووضوح، انطلاقا من رؤيتها الموضوعية لمستقبل لبنان. ولربما أدت هذه الصراحة إلى غضب البعض أو لربما دفعتهم إلى الهجوم على المملكة، لكن ذلك لم يغير شيئا من السياسة السعودية المحايدة والإيجابية تجاه لبنان، لأن المملكة ليست لها مصالح ذاتية في هذا البلد وإنما تفهم أن تحقيق مصالح لبنان الوطنية هو مصلحة عربية.

والرياض التي ظلت مصدر خير وعطاء لبيروت لن يؤثر فيها استخدام البذيء من القاموس السياسي. وستظل متمسكة برؤيتها للبنان السيد الحر المستقل الذي يجسد صيغة العيش المشترك للمجتمع العربي المتنوع. ويسرها أن يكون لبنان خيرا لكل أبنائه ولأمته العربية ومتسقا مع محيطه العروبي. ومن ذلك إطلاق علاقات نموذجية مع سوريا.