لايمكن النظر لانهيارات أسواق المال أو الأزمة المالية العالمية من منظور واحد، فهي في ذلك تمثل مجموعة من الانهيارات السياسية قبل أن يتم إعلانه ماليا.
أي بمعنى آخر لم يكن انهيار أسواق المال في الولايات المتحدة الأميركية، انهيارا ماليا محضا، وإنما مثل هو كذلك انهيارا سياسيا مهما لنهج سياسي أدار العالم خلال العقدين الماضيين متحللا من أي ضوابط سياسية وأخلاقية.
وهو سلوك قد عززه الصعود السياسي لتيار الليبراليين الجدد في الولايات المتحدة الأميركية واستيلائه على مفاصل الدولة فيها خلال الثماني سنوات الماضية بوصول بوش الابن إلى البيت الأبيض.
وليس بجديد القول إن البروز الأول على الساحة السياسية المعاصرة كان في مطلع ثمانينات القرن الماضي ليس مع وصل ماجي تاتشر لسدة رئاسة الوزراء البريطاني ووصول رونالد ريغان للبيت الأبيض. والذي شهد تحديدا بداية تخلي الدولة عن دورها الرقابي على العمليات البنكية وبروز المصارف كقوة اقتصادية مهما في تحريك الاستثمار والاقتصاد العالمي. وفي هذا بدت ملكية الكثير من المشاريع الاقتصادية الكبرى تنتقل ملكيتها من الأفراد وربما المؤسسات للمصارف العالمية المعروفة.
وقد تزامن مع هذا التحول ليس فحسب تواري دور الدولة في إدارة المشاريع الاقتصادية الأساسية وإنما تواري دورها في ضبط هذه المشاريع ورعايتها من الانفلات، وربما الأكثر أهمية في ذلك هو بداية أفول السلوك المحافظ في إدارة المال العالمي لشكل من أشكال المغامرة أو «البهلوانية» وهو في هذا يمثل في بعض أوجهه ذات السلوك السياسي المغامر في الولايات المتحدة الأميركية.
فتحلل هذا التيار من أخلاقيات وضوابط العمل السياسي التقليدي لم يكتمل إلا بتحلله السابق على ذلك من الضوابط الاقتصادية في إطارها العام. وهو ذات التحلل الذي قاد البعض فيما بعد للاعتقاد أن الحقبة الاقتصادية العالمية الجديدة والتي دخلها العالم بشكل ما في ثمانينات القرن الماضي ودشنها رسميا بسقوط الاتحاد السوفييتي وصعود القوة الأميركية المنفلتة من ضوابط العالمية، أي الضوابط القائمة على النظام الدولي غير القائم على الضغط بالإضافة لدعم المنظمات الدولية.
إن المغامرة العسكرية الأميركية في أفغانستان والباكستان في عام 2001 وفي العراق عام 2003 قد سبقهما بأكثر من عقد من الزمان مغامرة رونالد ريغان في احتلالها بنما وإطاحتها نورييغا تحت مبرر أنه قد حول بلده إلى أحد أهم مراكز تجارة المخدرات في أميركا الوسطى.
وهو مبرر قاد الولايات المتحدة الأميركية لمصارعة بلد نامٍ وصغير والإطاحة برئيسها ومحاكمته وسجنه في الولايات المتحدة الأميركية. وهي مغامرة قد جربت فيها الولايات المتحدة ردة الفعل العالمية التي كانت محدودة أو صفرا. ولم تكن في حينها بحاجة لدعم دولي أو أممي في هذا فقد تحركت في حديقتها الخلفية وهي في هذا قد لا تحتاج لأذن أحد.
وتبرز المفارقة هنا أن الولايات المتحدة الأميركية ذاتها التي قادت حرب تحرير الكويت في إطار من الضوابط السياسية العالمية والأممية، قد امتنعت من أن تمتد حربها للقيام بعملية عسكرية أخرى تقود للإطاحة بنظام صدام حسين في عام 1991، بل إنها في الوقت الذي شجعت العراقيين للثورة ضده، كما هي في دعوة بوش الأب لهم، امتنعت لأسباب وضوابط إقليمية وعالمية عن دعم هذه الانتفاضة فقضى النظام العراقي السابق عليها.
إن ما دفع الولايات المتحدة الأميركية في عام 2003 للقيام بمغامرتها العراقية ليس فحسب قدرتها على إنهاء نظام طالبان ومطاردة فلوله وفلول القاعدة في الجبال والكهوف الباكستانية والأفغانية، وإنما في كون العمل العسكري الأميركي ونجاحه في أفغانستان قد عزز من جديد فكرة التحلل من الضوابط التي مع القوة التي باتت أميركا عليها لم تكن في حاجة لدعم وموافقة عالمية لها في عملها العسكري في العراق.
أي إن سلوك التحلل هذا من الضوابط قد مر بمراحل قد كان ذروته الاجتياح الأميركي للعراق وما تبعه من مغامرات وأخطاء استراتيجية في الداخل العراقي جعلت منها دولة غير قادرة ليس فقط على ضبط الأمن الداخلي العراقي وإنما في أن تكون غير قادرة على إدارة الدولة العراقية الجديدة التي رغم كل ما كانت توصف به الدولة المطاح بها من انحيازية ودموية واوتوقراطية ودكتاتورية، فهي على الأقل رغم المصادرة السياسية للأفراد والجماعات كانت قادرة على تحقيق قدر ولو بسيط من الأمن الشخصي لهم، وهو الأمر المفتقد في ظل ضعف الدولة العراقية الحالية ولربما انحيازاتها العصبوية.
إن الصعود الرأسمالي للدول والأمم لم يكن في يوم من الأيام نتاجاً لمضاربات العقار وتضخم أسعاره وارتفاع بنيانه، الذي في سقوطه أقرب إلى الفقاع، وإنما في تلك التحولات والإبداعات التكنولوجية المهمة التي أبتدعها العقل البشري والتي بدأت مع الثورة الزراعية الأولى في مصر وانتهت مع الثورة الرقمية التي جاءت مع ابتداع «الجِبْ» في الولايات المتحدة الأميركية، وهو ابتداع لم يكن في جله خاليا من الضوابط والأعراف.
وإذا ما كان اكتشاف العوالم الجديدة واستعمار بلاد العالم الثالث ونهب خيراته عملا خاليا في جله من الضوابط، فإن أزمة «أصول الرهن القعاري» إن هي إلا نتاج لعمل آخر في مستواه الاقتصادي والسياسي خال من الضوابط. وانكشاف معضلته قد يكون إيذانا بانتهاء حقبة اللاضوابط في العمل الاقتصادي والسياسي العالمي، وهي الحقبة التي قادتها الولايات المتحدة الأميركية منذ سقوط الاتحاد السوفييتي حتى سقوط «الوول ستريت». فهل يعني سقوط «الوول ستريت» إيذانا بانتهاء حقبة اللاضوابط في عالم السياسة الذي لا يبدأ الاقتصاد إلا به ولا ينتهي إلا عنده؟!
كاتب بحريني
