فرضت الكوارث المالية الأخيرة والمتلاحقة مساحة واسعة من التفكير في طبيعة الكوارث التي تواجه الإنسان واستحضارها والمقارنة فيما بينها.

فرغم الكوارث العديدة التي نواجهها فإنها تختلف من حيث حجم التأثيرات المرتبطة بها والنتائج المتعلقة بها والكيفية التي نتعامل معها. ويستحضرني هنا على وجه التحديد الفرق بين الكوارث الطبيعية التي يواجهها الإنسان بشكل دائم والكوارث المالية التي نواجهها الآن.

فرغم أن النتيجة واحدة في الحالتين تنتهي بالخراب والتأكيد على ضعف الإنسان وانهياره أمام الكوارث التي يواجهها إلا أن هناك ثمة اختلافات عديدة تحددها طبيعة ونوعية الكارثة التي نواجهها.

تأتي الكوارث الطبيعية على حين غرة، ينهض الإنسان من نومه ليجد بيته مدمراً ومدينته أطلالاً بحيث لا يستطيع حتى ان يستوعب ما حدث. وما جرى في أندونسيا والصين والهند وسريلانكا والولايات المتحدة وإيران والمغرب وكوبا وغيرها من مناطق العالم من زلازل وأعاصير وفيضانات دليل حي على حجم المآسي الطبيعية التي يواجهها الإنسان.

كما أن الكوارث الطبيعية لا تتسم بطول المدى في حدوثها وإن كانت تتسم بذلك في النتائج المترتبة عليها، فلم نسمع عن زلزال استمر لسنوات أو سيلا ضرب دولة لعدة شهور أو إعصارا هاجم مدينة لأسابيع متواصلة.

صحيح أن هناك فرقاً بين الكوارث التي تواجهها الدول المتقدمة وتلك التي تواجهها الدول المتخلفة من حيث حجم الخسائر البشرية على وجه التحديد، لكن الخسائر المادية وحجم الدمار واحد في الحالتين.

ولا يستطيع أحد أن يلوم السلطة ولا المسؤولين الحكوميين عن الكوارث الطبيعية، فهي كوارث يمكن ردها إلى شؤون الطبيعة وتلاعبها بالإنسان أو يمكن ردها إلى عقاب إلهي بسبب ما نقترفه في حق الله وتعدينا على حرماته المختلفة. لا بد من تبرير وتفسير ما يريح الإنسان ويساعده على تقبل فقدان البيت والمدينة والأحباب.

يصبح هدفنا الرئيس في أعقاب الكوارث الطبيعية النجاة بأنفسنا وبذوينا، لا يعني المرء في أعقاب الكوارث الطبيعية ما حل ببيته وبمدينته، يعنيه بالأساس التيقن من سلامته وسلامة أسرته وأقربائه وجيرانه، بعدها يأتي الاهتمام بالمنزل وبالسيارة وبالمحاصيل الزراعية وغيرها من شؤون الحياة المادية. يأتي لوم السلطة والمسؤولين بعد حدوث الكارثة، فالبشر ينتظرون من السلطة أن تساعدهم وأن تمد لهم يد العون، وحينما تتأخر المساعدات يبدأ التذمر وينهال النقد على المسؤولين والهيئات الحكومية المختلفة وربما على المؤسسات الدولية.

علينا أن نؤمن هنا أن كل كارثة ترتبط بالمستفيدين منها، فلا توجد كارثة تعم على الجميع. فكما يستفيد البعض ويثري بسبب الحروب يستفيد البعض ويثري أيضا أعقاب الكوارث الطبيعية مثل المقاولين والمضاربين والمسؤولين الحكوميين والقائمين على توصيل المعونات الدولية.

الأمر يختلف بدرجة كبيرة في ما يحدث الآن بصدد الكارثة المالية التي تضرب كافة أنحاء العالم، وتصيب الجميع بالخوف والهلع والاضطراب. نحن أمام كارثة من العيار الثقيل ليس لأنها تخرب البيوت وتردنا مفلسين ماديا نستجدي من حولنا، ولكن لكونها لا تحدث مرة واحدة مثل الكوارث الطبيعية، نحن أمام تدهور بطيء، وإحساس بالخوف يتراكم يوما بعد يوم، ونشهده لحظة بعد أخرى.

معضلة الأزمة المالية التي تواجهنا الآن، أننا لا نلم بها ولا نمسك بمقاليدها كما لو كنا نهاجم شبحا خفيا لا نعلم متى وكيف سوف يوجه ضربته القادمة إلينا. وربما يفسر ذلك حالة الوجوه التي نشاهدها في البورصات العالمية، وملامح الأسى التي تنقلها لنا القنوات الفضائية لملايين الخاسرين كل يوم.

كما أنها أزمة غاية في المفارقة، ففي الكوارث الطبيعية لا يمكن أن نجد مسؤولاً حكومياً يبتسم وهو يزور موقع الكارثة، أما في الكارثة المالية الحالية فنحن نشاهد ابتسامة ساركوزي وبلادة بوش ووداعة ميركل وهم يتحدثون دون أن يطرف لهم جفن ودون أن ترتجف لهم مشاعر وكأنهم يناقشون كارثة تتعلق بكوكب آخر لا ننتمي إليه.

نحن نواجه حالة من الاستغلاق التام والاستعصاء على الفهم، فالمليارات من البشر حول العالم لا تدرك ما يعنيه الكساد والتضخم وانهيار أسعار البورصة والسيولة النقدية وحجم التحويلات النقدية وغيرها من المفاهيم الاقتصادية الأخرى لكنها تدرك تماما أنها تخسر أموالها ويتقلص مخزونها المالي. أين ذهبت تلك الأموال وكيف تبخرت، حسب آخر المفاهيم الرائعة الأكثر اقترابا لتوصيف أزمة الوضع الحالي، لا أحد يعلم ولا أحد يجيب.

وما يزيد الأمر حيرة وغرابة أنه كلما ضخت الدول والحكومات والبنوك أموالا أكثر كلما زادت الأزمة وتعقدت واضطربت الأسواق وباتت نذر الانهيار الشامل وشيكة الحدوث.

وكيف تضرب الأزمة بالدول العظمى مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنس وألمانيا واليابان، وإذا كان الحال يتم على هذا النحو مع هذه الدول العظمى فما بالنا مع الدول المتوسطة الدخل والفقيرة على السواء. ما زلنا في بدايات الأزمة المالية، وما انكشف منها حتى الآن هو قمة الجبل، أم بقيته فما زال مخفياً في أعماق النظام الرأسمالي وآلياته الكارثية المختلفة التي تحتاج لتعديلات جذرية، ربما يتحقق له من خلالها بعض التاريخ وليس نهايته كما بشر المفكرون الأميركيون.

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com