كيف يقدم رئيس دولة عظمى على اتخاذ قرار بالغ الخطورة بشن حرب شاملة على دولة أخرى تتكلف مئات المليارات من الدولارات وألوفاً من أرواح الجنود من مواطنيه ومئات الألوف من المدنيين في الدولة التي وقع عليها العدوان وذلك استناداً إلى معلومات يعلم الرئيس سلفاً عدم صحتها؟ وكيف يؤتمن مثل هؤلاء الرؤساء على قيادة وإدارة دولة كبرى في أي مجال في مجالات السلطة؟

الزعم بأن عراق صدام كان يمتلك أسلحة نووية، وأسلحة دمار شامل أخرى والذي استند إليه الرئيس جورج بوش الابن لشن حملة غزو كامل على العراق صار قصة قديمة دخلت التاريخ كفرية عظمى نادرة النظير، ولكن قبل بضعة أيام كشفت شبكة «سي إن إن» التلفزيون الأميركية عنصراً جديداً مثيراً بشأن تفاصيل هذه الكذبة. فقد قدمت إلى العالم تلك الشخصية العراقية التي كانت مصدر «المعلومات» التي بنت إدارة بوش على أساسها قرار الحرب الخطير.

كان ذلك الشخص يعمل في برنامج التسلح العراقي في عراق صدام قبل أن يغادر إلى ألمانيا عام 1999 طالباً لجوءاً سياسياً. ولدواع أمنية حجبت الشبكة اسمه «وشوشت» على صورة وجهه وتفاصيل هويته خلال المقابلة التلفزيونية.

هذا الشاهد المجهول تقدم إلى الاستخبارات الألمانية بمعلومات مفادها أن نظام صدام حسين يمتلك أسلحة دمار شامل ومختبرات متنقلة لتجارب تصنيع مثل هذه الأسلحة، وبدورها نقلت الاستخبارات الألمانية هذه المعلومات إلى وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، ولكن الاستخبارات الأميركية كان لديها معلوماتها الخاصة المدعمة بأدلة دامغة تثبت عدم صدقية إدعاءات الشاهد العراقي المجهول.

وصل إذن إلى طاولة الرئيس بوش تقريران متناقضان تماماً تقرير مهني من أكبر جهاز للمعلومات السرية في الولايات المتحدة مدعوم بأدلة.. وتقرير آخر من فرد عراقي مليء بثغرات ويخلو من الدليل.

فاختار الرئيس التقرير الثاني وجعل منه أساساً لاتخاذ قرار الحرب، لماذا؟ لأن إدارة بوش كانت قد قررت بالفعل بصورة آلية غزو العراق في وقت سابق قبل أن تتلقى أي معلومات: صادقة أو كاذبة.

ووقع اختيار الرئيس بوش على تقرير الشاهد العراقي الفرد لأن الإدارة كانت تريد أن تسمع فقط ما ترغب في سماعه من أجل تبرير حملة غزو مبيتة لأسباب لا علاقة لها إطلاقاً بأسلحة الدمار الشامل وإنما لاعتبارات أمن إسرائيل من ناحية والسيطرة على ثروة النفط العراقية كما ثبت لاحقاً. لكن تصرف الرئيس بوش على هذا النحو لم يكن استثناءً. فعلى أساس معلومات ملفقة غزا الرئيس جونسون فيتنام وغزا الرئيس ريغان نيكاراغوا وأرسل الرئيس كلينتون صواريخ لقصف مصنع أدوية في السودان.

opinion@albayan.ae