القرار الذي اتخذته سوريا، بإقامة علاقات دبلوماسية مع لبنان؛ خطوة تاريخية بكل المقاييس. لأول مرة، منذ استقلال البلدين في أربعينات القرن الماضي، يحصل الاعتراف الرسمي بينهما؛ على هذا المستوى. ولأول مرة، منذ مغادرة القوات السورية للبنان،عام 2005؛ مع كل ما تخلل هذه الفترة من فتور وتوتر على الخطين؛ تشهد علاقاتهما مثل هذا التطور الايجابي النوعي. بل هو في حقيقته نقطة تحوّل واعد، بأن يكون «فاتحة لإعادة صفحة العلاقات المشرقة بين البلدين الشقيقين، على كل المستويات وفي مختلف المجالات»؛ على حدّ تعبير الرئيس اللبناني، ميشال سليمان.

ومن هنا كان الترحيب الواسع، اللبناني والعربي والدولي، بهذه الخطوة. ومع أن موعد بدء التبادل الدبلوماسي، لم يتحدّد بعد؛ إلاّ أن الخطوات الإجرائية اللازمة لوضع القرار موضع التنفيذ ؛ قد انطلقت، بحيث يتمّ فتح السفارتين، في دمشق وبيروت، قبل نهاية السنة؛ وفق توقعات العاصمة اللبنانية. العلاقات بين البلدين، اللذين تشدّهما إلى بعضهما روابط الأخوة والتاريخ والجغرافيا، عانت بما فيه الكفاية. كانت مناخاتها، في السنوات الأخيرة، غير طبيعية. شهدت حالات من البرودة والتباعد، وأحياناً من الجفاء.

أجواء عادت بالضرر على الطرفين. تسببت في إقامة حواجز وفواصل، بين شعبين ومجتمعين؛ لا غنى لأحدهما عن الآخر. صوّرت وكأن مصالحهما متنافرة، في حين هي مكملة لبعضهما.

خاصة وأن للبلدين عدو واحد، لا يزال يحتل أجزاء من أراضيهما؛ ويواصل تهديداته لهما؛ على غير انقطاع. لا شيء يريح ويناسب إسرائيل، أكثر من الشقاق والخلافات، بين من يفترض فيهم، من جيرانها العرب، أن يكونوا في الخندق الواحد. يوفر لها ذلك فرصة ذهبية: الاستفراد. وقد غنمت الكثير من هذه الورقة. خاصة على الصعيد الفلسطيني، بعد الشرخ الذي وقع بين غزة ورام الله؛ منذ حوالي عام ونصف. إسرائيل تحسن اللعب على التناقضات القائمة من حولها.

علّ هذه الفاتحة الدبلوماسية الجديدة بين دمشق وبيروت، تكون الخطوة الأولى على طريق سدّ الثغرة اللبنانية ـ السورية، بوجهها.

وغني عن البيان القول إنه بقدر ما يسرع توالي خطوات الترميم للعلاقات بين هذين الشقيقين؛ بقدر ما يتعزز تحصين الساحتين، على كل صعيد. خاصة على الصعيد الأمني وفي هذه اللحظة بالذات، حيث تتعرض كلتاهما، لتهديدات جهات تستهدف أمن البلدين.

مع أنه كان متوقعاً، وبالرغم من كونه خطوة أولى في عملية تصحيح تدريجي ومتبادل إلا أن هذا القرار؛ يبقى نقلة نوعية غير مسبوقة؛ تضع العلاقات بين سوريا ولبنان على سكّة استعادة العافية السليمة، المتخلصة من كافة الأدران؛ بحيث تأخذ مداها في تثبيت روابط الأخوة والمصير بينهما.