أولئك الذين كانوا »يشتمون« الدولة حتى الأمس القريب ويطالبون بإبعادها مثل »البعير الأجرب« عن الاقتصاد باسم حريّة حركة رأس المال وسيادة قواعد المنافسة في اقتصاد السوق »يحملون لها المباخر« اليوم على اعتبار أنّها »الحامية« و»الحاجز الأخير أمام الانهيار العام« و»العنصر الاقتصادي الوحيد صاحب الملاءة المالية«.
كما تقول عينات قليلة مأخوذة حرفيا من سيل من »شبيهاتها« في الصحافة الغربية. هكذا إذن تحوّلت صرخات الاحتجاج ضد تدخّل الدولة بأي نشاط اقتصادي إلى صرخات من نفس »الأفواه« المطالبة بـ »عودتها المباركة« لقيادة سفينة الرأسمالية الجانحة والمهددة بالغرق.
مثل هذا التحوّل من »العداء المطلق« للدولة إلى »الوفاء المطلق« لها رأى فيه البعض ما يشـبه »الخيانة«. العديد من عناوين التحليلات في الصحف الفرنسية صبّ في طاحونة القول إن هناك تحوّلا اشتراكيا وصلت أصداؤه إلى »وول ستريت« وغيرها من بورصات العالم . وكانت مجلّة »وقورة« مثل »الأيكونوميست« قد اختارت عنوانا على صدر غلافها في الأسبوع الماضي مفاده »لقد... فعلوها...بنا«، والمقصود أولئك الذين تحوّلوا من النقيض إلى النقيض.
أمّا مجلة »التايمز« فقد كانت »أكثر أدبا« ولكن ليس أقل وضوحا في تعبيرها عن الانعطاف من اللبرالية »بدون تحفّظ« إلى الطرح المناهض لها »دون تحفّظ أيضا«؛ إذ جاء في أحد عناوينها الرئيسية: في الثمانينات كنّا نخاف من ميتران واليوم ننظر إليه كمنقذ.
للتذكير كان فرانسوا ميتران قد وصل إلى سدّة الرئاسة في فرنسا عام 1981 وهو الرئيس الاشتراكي الوحيد في تاريخ الجمهورية الفرنسية الخامسة التي أسسها الجنرال شارل ديغول عام 1958.
إن أولئك الذين غيّروا مواقفهم ومواقعهم لم يكونوا مجرّد »همج رعاع يميلون مع كل ريح«، كما تقول جملة شهيرة، ولكنهم رجال سياسة وفكر مرموقون. أمّا الساسة فهم أولئك الجحافل الذين كانوا يتغنّون بالنموذج الأميركي وفضائله، ورجال الفكر هم من أمثال فرنسيس فوكوياما، المفكّر الأميركي الياباني الأصل الذي كان قد أعلن بعد سقوط جدار برلين »نهاية التاريخ« و»الانتصار النهائي« للرأسمالية وامتدح النموذج اللبرالي الأميركي. لكنه ها هو يقول اليوم في مقال أخير له قبل أيام في الـ »نيوزويك« ما نصّه: إن قاطرة النمو الاقتصادي الأميركي قد جنحت عن السكّة مهددة بنفس الوقت باحتمال أن تجرّ بقية العالم إلى الكارثة.
القادة الأوروبيون على وعي تام بمثل هذا التهديد، وهكذا قرروا بعد اجتماع أوّل ضمّ رؤساء دول وحكومات فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا في مطلع هذا الشهر بباريس أن يعقدوا اجتماعا آخر موسّعا في العاصمة الفرنسية أيضا يوم الأحد الماضي بحضور قادة الدول الـ15 المنضوية في إطار منطقة اليورو.
لقد اتخذوا إجراءات استثنائية ليس أقلّها شأنا ضخ ما يزيد عن 1300 مليار يورو من اجل إنقاذ البنوك الأوروبية من خطر الإفلاس. كانت الحكومة الأميركية قد قررت،ووافق الكونغرس، على ضخ مبلغ 700 مليار دولار لدعم البنوك الأميركية.
وفي الحالتين، الأميركية والأوروبية، يرى خبراء اقتصاديون أن بعض البنوك ضخمة إلى درجة أنّها أكبر من أن تختفي، ولكنها أيضا بنفس الوقت ضخمة إلى درجة أنّها أكبر من إمكانية إنقاذها.
بكل الحالات يعرف الأوروبيون أنهم يعيشون »لحظة مواجهة الحقيقة«، إنّهم يواجهون أحد أصعب الأزمات، وربما الأصعب، في تاريخهم الاقتصادي الحديث. ويبقى السؤال الكبير هو معرفة إذا كان ينبغي »تصريف« فعل »واجه« بصيغة الماضي أو بصيغة الحاضر؟!
ما يتأمّلونه، والعالم معهم، هو أن تكون الجرعة كافية من أجل الشفاء من علّة ـ أزمة تمثّل خسائرها ،حسب تقديرات الأخصائيين، ما يعادل نصف الإنتاج العالمي. مع ذلك، ومهما أبدى الأوروبيون من تصميم وتفاؤل، لا بدّ من القول أنّه لا أحد يعرف ماذا يخبئ الغد. بالمقابل ما يعرفونه جيدا أنه هناك أعراض مرض خطير قد يمكن تعريفه بلغة القاموس الطبي بـ »مرض نقص الثقة المكتسب«. »فيروس نقص الثقة« قد يكون قاتلا.
لا شك أن القادة الأوروبيين قد اتخذوا في مواجهة الأزمة الاستثنائية إجراءات استثنائية ورصدوا إمكانيات استثنائية. الهدف واضح ومحدد هو ضمان أن لا يعلن أي بنك أوروبي إفلاسه. الضامن في كل الحالات ليس سوى الدولة بكل بلد من البلدان المعنية.وهذا ما يمكن وصفه بـ »إجابة منسّقة« على الصعيد الأوروبي.
هنا يبرز أيضا سؤال هام: هل هذا يعني أن الإدارة الأميركية لم تخطئ بتركها بنك ليمان يسقط في فخ الإفلاس فحسب ،لكنها فجّرت بذلك القنبلة المالية التي طالت شظاياها العالم أجمع؟
وسؤال الأسئلة: ماذا بعد الأزمة؟.
لا إجابة محددة دقيقة. فقط بعض الملامح التي تلوح في الأفق وهي منذرة بالمخاطر في أحسن الحالات .فما بعد الأزمة سيشهد نضوبا كبيرا في المساعدات العامّة وفي تدفق رؤوس الأموال نحو البلدان الفقيرة،وفي مقدّمتها البلدان الإفريقية. وهذا يعني انحسارا في التنمية وانحسارا في الدخل وانحسارا في الأمل.
ثمّ لا بدّ أن تدفع الأزمة بلدان الشمال الغنية نحو تبنّي سياسات تحدّ من طلبها على المواد الأوليّة التي تشكّل 50 بالمائة من صادرات البلدان الإفريقية ،حسب تقارير البنك الدولي. كإشارة سريعة قد تحاول الصين التي عرفت كيف تكدّس فوائض مالية هائلة الاستفادة من الأوضاع المستجدّة لتعزيز مواقعها الاقتصادية ،القوية أصلا، في القارّة السوداء وفي غير القارّة السوداء. وما بعد الأزمة ستكون له نتائجه على البلدان الصاعدة .
فالبنوك فيها معرّضة إلى هذه الدرجة أو تلك لنفس المخاطر التي عرفتها،وتعرفها، نظيراتها في الولايات المتحدة وأوروبا؛ هذا فضلا عن أنّها خسرت أموالا كثيرة ،حسب التقارير الصادرة عنها ذاتها. المستثمرون يتراجعون والبورصات تكدّس الخسائر. والسلطات العامّة تحاول تدعيم بنوكها ومؤسساتها المالية ،لكن في ظلّ عياب شبه كامل لأية سياسات مشتركة. بهذا المعنى برهنت الأزمة على أهمية وضرورة قيام هيئات مالية في مختلف الكيانات ذات الطابع الإقليمي.
وما بعد الأزمة ،حسبما يؤكّد الجميع، فترة نقاهة وتقشّف قد تكون عنيفة جدا خلال السنوات القادمة . بكل الحالات ،وحتى إذا تمّ كبح الأزمة المالية غدا،فهي ستترك آثارها على النمو الاقتصادي العالمي كلّه لفترة قادمة من الزمن. ثم إن التباطؤ في هذا النمو بدت »طلائعه« في أميركا وأوروبا. تباطؤ في النمو وإذن ازدياد في البطالة و»هشاشة« اجتماعية أكبر وللأسف دائما بالنسبة للأكثر فقرا.
وسؤال سريع : هل يمكن أن يصل أوباما إلى الرئاسة الأميركية على »حصان« الأزمة كما أكّد محللون كُثر؟. قد يحدث ذلك لكنه لن يحل الأزمة نفسها. إن مؤشرات كثيرة وعميقة تدلّ على أن مرحلة ما بعد 4 نوفمبر المقبل ستعرف بداية دورة جديدة في السياسات الأميركية بعد »اكتمال« دورة »افتتحها« ريغان و»يختمها« بوش.
في المحصّلة ما بعد الأزمة قد يكون »نظام مالي عالمي جديد« دعا البريطانيون للنقاش حوله بعد لقاء باريس يوم الأحد الماضي. وبانتظار ذلك ، إذا حدث، لاتزال الأزمة قائمة وضاغطة مع »أمل الشفاء«... لكن الاحتمال الآخر قائم.
كاتب سوري