بصدور المرسوم رقم 358 تقيم سورية ولبنان علاقات دبلوماسية لأول مرة في التاريخ.

هذه الخطوة يجب ألا تفسّر بأنها اعتراف سوري باستقلال لبنان، وبالمقابل يجب ألا يعني عدم إقامة علاقات دبلوماسية بأنه عدم اعتراف بهذا الاستقلال. ‏

فالسيد الرئيس بشار الأسد الذي أصدر مرسوم إنشاء العلاقات كان قد أكد في آخر حديث صحفي له مع مجلة «الحوادث» اللبنانية أن «السفارة بالنسبة لنا لا تعني اعترافاً باستقلال لبنان، فنحن نعترف دائماً باستقلال لبنان، وليس هناك علاقة بين فتح سفارة باستقلال لبنان، لا بقاموس سياسي، ولا بمنطق سياسي، ولا بأي منطق». ‏

كما أن الرئيس الأسد كان قد أعرب عن استعداد سورية لإقامة مثل هذه العلاقات منذ العام 2005، ما يؤكد أنّه ليس هناك مشكلة لدى سورية تجاه استقلال لبنان، ولا بخصوص إقامة العلاقات الدبلوماسية. بل لم تكن هناك مشكلة يوماً بين الشعبين الشقيقين السوري واللبناني، وحتى المشكلات التي حدثت خلال الأعوام الثلاثة المنصرمة لم تكن أكثر من غيمة صيف عبرت لم تؤثر، ولن تؤثر على العلاقات التاريخية بين البلدين والشعبين الشقيقين. ‏

لا نريد التذكير بالتاريخ الذي يشهد على عمق العلاقات بين البلدين التوءمين، فهذا أمر من المسلمات، ولكن من المفيد الإشارة إلى جملة العناصر التي قامت عليها هذه العلاقات، في مقدمتها علاقات القربى بين العائلات والأسر، فقلما تجد عائلة سورية لا ترتبط بعلاقات القربى مع الأشقاء اللبنانيين، إضافة إلى أن الشعبين خاضا معاً حروب الاستقلال ضد قوافل الاستعمار عبر التاريخ، وشكلا معاً جبهة متراصة في وجه الغزوات، كما أنهما وقفا ويقفان معاً ضد العدوانية الإسرائيلية، وقد ارتوت الأرض اللبنانية بدماء السوريين واللبنانيين، ودخلت سورية ولبنان عملية السلام معاً. ‏

لا ننكر بأن محاولات خطيرة وقفت وراءها دول كبرى وأخرى إقليمية، وقوى سياسية لخلق شرخ عميق في العلاقات السورية ـ اللبنانية على مدى الأعوام الماضية، وذلك خدمة للمشروعات الوافدة والمقيمة في منطقتنا، وفي مقدمتها المشروع الصهيوني القديم ـ الحديث ومشروع الشرق الأوسط الجديد الذي هو نسخة «معدلة ومنقحة» عن المشروع الأول لخدمة أغراضه وأهدافه التوسعية ـ السرطانية، لكن وعي وإرادة اللبنانيين والسوريين فوتا الفرصة على تلك المحاولات، وأكدا أن العلاقات السورية ـ اللبنانية في منأى عن العواصف والأعاصير والقرارات وأنها من الرسوخ والمتانة بحيث يستحيل على أي جهة أو دولة في العالم مهما امتلكت من قوة وجبروت، ومهما تفننت في مخططاتها، أن تزعزعها. ‏

اليوم تتأكد حقائق التاريخ مرة أخرى، وتتعمق العلاقات السورية ـ اللبنانية وتسير خطوات متقدمة نحو الأمام، نرجو أن تحقق تطلعات الشعبين وطموحاتهما. ‏

هناك مجالات لا حدود لها للتعاون بين البلدين، وقد كانت هناك فجوات في التعاون الاقتصادي خلال الأعوام الماضية، وكان هناك قصور لدى المؤسسات في سورية ولبنان فيما يتعلق بالعلاقات الاقتصادية ـ كما أكد الرئيس الأسد ـ نرجو أن تشهد الأشهر والسنوات القادمة تجاوزاً لهذا القصور واندفاعاً نحو علاقات أقوى وأمتن ترتقي إلى مستوى العلاقات الشعبية الراسخة. ‏

وكما كنا معاً على مرّ التاريخ، يجب أن نبقى معاً في المستقبل، فالتحديات التي تواجه سورية هي نفسها التي تواجه لبنان والعرب على وجه العموم من احتمالات خطر العدوان الإسرائيلي الكامن دائماً، إلى مجابهة الإرهاب والتطرف وصولاً إلى محاولات زرع بذور الفتنة الداخلية وتغذية النعرات الطائفية وغير ذلك لذا فإن طريق دمشق ـ بيروت يجب أن تكون سالكة دائماً لا تعترضها عقبات أو عراقيل وفي الاتجاهين. ‏