في ضوء الأزمة المالية العالمية قررت الإمارات منذ يومين ضمان ودائع ومدخرات البنوك الوطنية، وقد انعكست آثار هذا التحرك السريع نفسيا على المواطنين والمقيمين في الدولة لاسيما بعد ان تبع ذلك بيوم واحد أمر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي رعاه الله بتحويل 70 مليار درهم لوزارة المالية، بناء على توجيهات صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله بدعم وحماية القطاع المصرفي بدولة الإمارات.
ان تحركات الإمارات في هذه الأزمة يمكن اعتبارها أداة جديدة تمنح الاقتصاد المحلي ثقة اكبر كادت ان تتراجع بسبب التأثير النفسي الذي خلفته الأزمة في الأفراد والمستثمرين.
ونقول ان هذا النوع من التحرك لن يقتصر أثره على الجانب النفسي المتمثل في طمأنة الأفراد والمستثمرين فحسب، بل انه سيعزز الاقتصاد الإماراتي الذي حاول البعض التشكيك في قدرته قبل الأزمة على مواصلة نموه، والذين كنا نتوقع ان تنطلق سهامهم للنيل من الثقة فيه مجددا بمجرد اتساع دائرة هذه الأزمة المالية، لكن ولله الحمد اثبتت الإمارات قدرتها على مواجهة الأزمة واستعدادها لتجاوزها.
فهي كدولة لا تنقصها الإمكانات المادية ولا الأدوات التي تملكها دول تفوقها قدرات وإمكانات، بدليل اجتيازها الأحداث السياسية والاقتصادية التي مر بها العالم خلال السنوات الماضية والتي عصفت ببعض دوله فانعكست آثارها السلبية عليها، متسببة في تراجع نموها وتعثر خطواتها.
بل والأكثر أن الإمارات وسط الأحداث السابقة التي ذكرناها وما تبعها من تحركات كبيرة دفعت برؤوس الأموال إليها في الداخل لأنها اعتبرت الملاذ الآمن لكثير من الشركات والمستثمرين، بل وحققت انجازات أثناء وبعد حرب الخليج وحرب العراق وأحداث الحادي عشر من سبتمبر وغيرها من الأحداث الأخرى، وما تجاوزها ذلك كله الا دليل على رصيدها من الخطط الاستراتيجية والتنموية.
الأزمة المالية العالمية الحالية وتحركات الإمارات الرسمية توجّه رسائل جديدة، وتفتح مجالات اكبر وأكثر اتساعا أمام الآخرين للاستفادة من افرازات الأزمة السلبية بالتحرك نحو ضخ سيولة أكثر وإنعاش الأسواق والاستمرار في الخطط الاستثمارية والتنموية التي لا ينبغي ان تتوقف بحجة الاكتفاء بمشاهدة انهيار أجزاء من الجبال، وهو ما يتطلب شجاعة تجدد الثقة في دولة »مؤسسية«، ذات فكر »منهجي« في إدارتها، لا تركن الى خطط طارئة وعاجلة تستحدث وقت الأزمات فينتج عنها أخطاء تؤثر سلبا على الاقتصاد الوطني.
المبادرات الرسمية لابد وأنها ستؤتي نتائجها لكن الأهم من ذلك كله ان يحسن المصرف المركزي ووزارة المالية وضع الآليات المناسبة لضخ هذه السيولة في القطاع المصرفي خلال الفترة المقبلة، وإداراتها بشكل يسهل الاستفادة منها.
والمأمول أيضاً ان تستفيد بنوكنا الوطنية والمؤسسات المالية من الأزمة المالية في وضع خطط مستقبلية خاصة فيما يتعلق بالجوانب الإدارية والائتمانية لنحصن نظامنا المصرفي وأفراد المجتمع من اي أزمات قد تعصف بهم وتجعلنا عرضة لخسائر اكبر.
فالأزمات تأتي وتذهب، وربما تتكرر أحيانا كما هو الحال مع الكوارث الطبيعية التي قد لا يحسب لها حساب ولا تقع في دائرة التوقعات، لكن ذلك لا يمنع من الاستعداد لمواجهتها خاصة ان كانت مالية واقتصادية لنضمن استمرار تنمية الدولة كما عرفها الجميع ملاذا آمنا ونموذجا يساهم في تقويم وتصحيح ودعم الاقتصاد العالمي.
