في زمن تكثر فيه الأزمات والنزاعات والصراعات، وفي عالم تلعب فيه سلطة وسائل الإعلام والمال والسياسة دوراً محورياً في تحديد العلاقات السياسية والاقتصادية الدولية ومصير الشعوب والأمم، يعيش معظم الدول العربية وضعا حرجا يتميز بالتبعية والتهميش والإقصاء، ما انعكس سلبا على المثقف والرأي العام وآليات صناعة القرار الرشيد.
الأزمة المالية العالمية التي تعيشها البشرية جمعاء هذه الأيام كشفت المستور، حيث لاحظنا غياب رد فعل عربي موحد، منظم ومدروس من قبل المؤسسات الاقتصادية والجهات الرسمية والمنظمات الإقليمية العربية.
لم يلاحظ المواطن العربي انعقاد قمة عربية لدراسة تداعيات الأزمة على اقتصاد الدول العربية، ولا تحركا من قبل صندوق النقد العربي ولا إجراءات وتدابير من هيئات ومؤسسات عربية رسمية، فيما عدا بعض المبادرات الفردية من قبل بضع دول عربية.
يعيش المثقف العربي أزمة الاغتراب والتهميش والإقصاء كما يعتبر دوره مشلولا في المجتمع، الأمر الذي أدى، إضافة إلى عوامل أخرى، إلى أزمة البحث العلمي وضعف صناعة المعرفة في الدول العربية، وغياب استراتيجية لإدارة الأزمات والتعامل بمنهجية وعلمية في الظروف الصعبة.
الشارع العربي ـ الرأي العام ـ يعاني من الشلل التام في مرحلة حرجة وهامة جدا في تاريخ الأمة العربية. وغياب الشارع يعني غياب الرأي العام، وغياب الرأي العام يعني غياب الآليات السليمة والفعالة والصحية والجيدة للماكينة السياسية الديمقراطية.
وإذا غاب الرأي العام غاب الرأي الآخر وغاب الحوار وغابت السوق الحرة للأفكار. نلاحظ فجوة كبيرة بين السلطة والشارع العربي، بين الحاكم والمحكوم، بين صانع القرار وآليات صناعة القرار في الوطن العربي. قرارات مهمة ومصيرية واستراتيجية تؤخذ باسم الشعب وهو آخر من يعلم. وفي غالب الأحيان نلاحظ أن الشارع العربي ـ إذا كانت لديه الشجاعة أن يكشف عن موقفه ـ في اتجاه، والسلطة في الاتجاه المعاكس تماما.
وأخطر من ذلك، نلاحظ أن بعض القادة والحكام العرب يصرحون علنا ومن خلال وسائل الإعلام بشيء، ويتفقون في الكواليس مع نظرائهم في الغرب على شيء مختلف تماما، فهناك خطاب للاستهلاك الإعلامي وللتمويه والتضليل، وهناك خطاب آخر لإرضاء القوى التي تدير العالم.
هذا الخطاب المزدوج يفرز ثقافة سلبية في المجتمع تقوم على النفاق والسلبية، ما يؤدي إلى سلوك الاستسلام والهروب من المسؤولية.
النتيجة في النهاية هي انعدام السلطات المضادة في المجتمع، وانعدام المجتمع المدني، وانعدام المؤسسات والكيانات التي تراقب السلطة وأجهزتها وتراقب القوى التي تقود وتدير المجتمع. هذه القوى قد تحكم وتدير لخدمة مصالح فئة ضيقة جدا من المجتمع، على حساب مصالح الأمة بكاملها ومصالح الفئات العريضة من المجتمع.
أسئلة عديدة تتمحور أساسا حول موقع المواطن العربي في المعادلة السياسية، وهل من دور لهذا المواطن في اللعبة السياسية وفي صناعة القرار وفي المساهمة الفعالة في عملية التنمية المستدامة. هذه الإشكالية تتطلب البحث في مسائل أخرى ترتبط بآليات الرأي العام في المجتمع، ومكانته كمتغير من متغيرات المعادلة السياسية في المقام الأول.
وهنا يجب أن نحدد آليات الممارسة السياسية والتناوب على السلطة والفصل بين السلطات وصناعة القرار. وإذا عدنا إلى التاريخ وحاولنا استقراءه والغوص في خباياه، نجد أن الشارع العربي لم يكن في أي يوم من الأيام موافقا على عملية التطبيع مع الكيان الصهيوني.
فالشعب المصري على سبيل المثال، وبعد ثلاثين سنة من إقامة مصر علاقات دبلوماسية مع الكيان الصهيوني، ما زال يرفض أي نوع من التعاون مع العدو، وما يقال عن مصر يقال عن أنواع وأشكال العلاقات والاتصالات وحتى المصافحات التي تمت وتتم بين القيادات العربية والصهاينة. لكن رغم هذا، حدث ما حدث ولم يأبه أحد بالشارع العربي وكأنه لا وجود له ولا مكانة له في معادلة صناعة القرار.
وانطلاقا مما تقدم نتساءل عن العلاقة بين السلطة والشارع في العالم العربي، وللوهلة الأولى نلاحظ أن الرأي العام العربي مغّيب بطريقة منهجية ومنتظمة في الكثير من القضايا التي تهمه من قريب أو بعيد. وإذا أخذنا قضية غزو العراق كمثال على علاقة السلطة بالرأي العام في صناعة القرار، نلاحظ أن الشارع العربي والرأي العام العربي في اتجاه والسلطة العربية في اتجاه آخر، ونلاحظ هنا عدم التناغم بين الشارع وصانع القرار، وإلا أين رد فعل السلطة؟
وما هي الإجراءات التي اتخذت حتى تعكس الدبلوماسية العربية والسياسة العربية توجهات وتطلعات الشارع العربي؟ السلطة في الوطن العربي ذهبت إلى أبعد من أنها تجاهلت وتتجاهل الرأي العام، إنها قامت بقمعه وإسكاته، وفي الكثير من الأحيان بفبركته حتى يتناغم مع سياستها وإرادتها.
ففي أحيان عدة نلاحظ التناقضات الصارخة بين الشارع وصاحب القرار، وعادة ما نجد الرأي العام يتخذ موقفا ضد قرار السلطة والسلطة تتباهى وتتفنن في تطبيق قرارها، وفي بعض الأحيان تتفنن في قمع الرأي العام، حيث ينتهي الأمر إلى منع أي هيكل أو مؤسسة تنظيمية أو سياسية أو اجتماعية تختلف في الرأي مع السلطة من أي نشاط وعمل نضالي وسياسي..
والظاهرة الخطيرة التي تتفشى في المجتمعات العربية هي ظاهرة الرأي العام «المفبرك» أو المنافق، حيث إنه لا يعبر عن حقيقة وواقع الشارع، ويصبح المواطن يدلي بآراء وأفكار ووجهات نظر غير مقتنع بها أساسا، وإنما يقولها لإرضاء السلطة لا غير، ما يدل على خطورة الوضع والوصول إلى مرحلة حرجة جدا.
وهي الانتحار الذاتي أو إدراك مرحلة اللاوعي الإرادي، والوصول إلى مجتمع لا يؤمن بما يقول ومجتمع مبني على النفاق. وسواء في غياب الرأي العام الحقيقي الواقعي، أو في ظل وجود رأي عام منافق، فإن السلطة لا تستطيع أن تتفاعل مع المجتمع ومع الشعب «السلطة الحقيقية»، وهنا تقل آليات التفاهم والاتصال الحقيقي الذي يؤدي إلى التفاعل الصحي بين السلطة والشعب.
وبذلك يغيب الاستغلال الأمثل للموارد البشرية والمادية المتوفرة في المجتمع. فرأسمال أية دولة في العالم هو شعبها، وإذا همشت السلطة الشعب واعتبرته مجرد أرقام فهذا يعني أنها جمدت طاقة البلد وقوته في صناعة الرأي والقرار الرشيد والمشاركة في عملية التنمية المستدامة وتطوير ورفاهية الأمة.
عميد كلية الاتصال ـ جامعة الشارقة