بينما يمكن أن تهب الأعاصير الطبيعية فجأة بما لا يدع أمام أجهزة الرصد فرصة كافية للإنذار، مثلما ضرب الإعصار «كاترينا» أميركا فجأة وعزت الإدارة فشلها المريع في مواجهته إلى غياب التوقعات..

فإن الأعاصير المالية والاقتصادية لا تهب فجأة ولا تغيب عنها التوقعات أو الإنذارات المبكرة، لكن التعصب الأيديولوجي أو الإهمال في أخذ التحذيرات على محمل الجد، بفعل الجهل أو الإهمال أو الغرور وعدم تقدير المسؤولية، يقود إلى حالة من الصمم أو المكابرة بما يصل إلى حد المقامرة!

وقد ألقت بعض التعليقات على الأزمة المالية الأميركية الحالية الضاربة، باللوم على الخبراء والمسؤولين الاقتصاديين لغياب التحذيرات والتوقعات، بينما لا يغيب عنهم أن المسؤولية الأكبر هي على السياسيين الذين لم يحسنوا قراءة الكثير من الإنذارات والتحذيرات والتوقعات عبر عشرات التصريحات والتقارير والمقالات المنشورة!

ويكفي قراءة بعض العناوين الصحافية في الصحافة الاقتصادية العالمية خلال الربع الأخير من العام الماضي، للإدراك بصورة واضحة لواقع الأزمة الأميركية ونذر الكارثة التي سيصاب بها العالم، مثلا: «أزمة الرهن العقاري وهبوط الدولار وارتفاع أسعار النفط تضغط على الاقتصاد الأميركي.. هبوط قيمة الأسهم الأميركية بسبب المخاوف.. انخفاض شديد في ثقة المستهلكين الأميركان.. الاقتصاد الأميركي دخل حالة الركود بسبب الاختلالات الهيكلية التي يعانى منها.. خطة لمحاولة إنعاش الاقتصاد الأميركي المتراجع.. خفض توقعات النمو الاقتصادي في الاتحاد الأوروبي.. انخفاض حاد في مؤشرات أسواق الخليج.. السبعة الكبار يحذرون من تدهور الاقتصاد العالمي».!

بل إن مساعد وزير الخزانة الأميركي في إدارة ريجان، بول كريج قبل الأزمة حذر قائلا: «مستويات المعيشة الأميركية ستنهار، والأميركيون يعيشون بأكثر من دخولهم، والعالم يعوض ذلك بشراء سندات الدين الحكومية بمليارات الدولارات وباحتفاظ البنوك المركزية حول العالم بمئات مليارات الدولارات المتراجعة القيمة». فيما تساءل تقرير بريطاني ل«بي بي سي»: إلى أي مدى يمكن أن يستمر العالم في إنقاذ الاقتصاد الأميركي من أزماته لمجرد فكرة عدم السماح له بالانهيار كي لا يأخذ العالم كله معه إلى هاوية اقتصادية؟

وفيما يحذر حاليا صندوق النقد الدولي من أن النظام المالي العالمي على حافة انهيار شامل، ويجتمع وزراء السبعة الكبار، والقادة الأوروبيون لوضع الخطط لمواجهة الأزمة وإنقاذ الأسواق الرأسمالية من أزمات الركود وكوارث الكساد، في ظل الهبوط الحاد لأسعار الأسهم والعقارات والعملات في البورصات.

والانكماش في الائتمان والاستثمار والاستهلاك في الأسواق الأميركية والأوروبية التابعة إلى مستويات قياسية، وبالتالي انخفاض أسعار النفط في أقل من شهر إلى النصف في الأسواق العالمية! تبدو الأزمة الرأسمالية الأميركية ليست فقط أزمة مالية بل اقتصادية، كما يرى كثير من المحللين.

وذلك بسبب الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد الأميركي، فعجز الحساب الجاري والعجز التجاري وصل إلى مستويات خطرة، ولم يعد الدولار يتمتع بسند قوي من مؤشرات الاقتصاد الأميركي. فهل يمكن أن تنجح خطط الإنقاذ مع هذا الوضع، ومع الكلفة الهائلة للحروب الأميركية الخاسرة في الخارج، من أفغانستان إلى العراق، إلى التهديدات بشن مزيد من الحروب تارة في إيران وأخرى في باكستان، وهي التي ستؤدي ليس فقط بالاقتصاد الأميركي بل العالمي كله إلى الانهيار؟!

يبدو أن الإدارة الأميركية الحالية التي توشك على الرحيل بنهاية العام، رغم ما طرحته من خطط، لا تملك طرح مبادرات علاجية جريئة أو سياسات اقتصادية واجتماعية حقيقية استراتيجية لوقف هذا المسلسل الأميركي للأزمات الخطيرة!

mamdoh77t@hotmail.com