إلقاء القبض على عناصر مسلحة استهدفت الجيش في منطقة طرابلس، شمال لبنان، نقل ما كان يتردد عن وجود خلايا نائمة هناك، من حيز اللغط إلى حيز الخطر الأمني القائم والمطلوب التعامل معه.
وربما كان هذا التطور، مع ما رافقه من اعترافات أدلى بها الموقوفون، بمثابة الإمساك برأس الخيط المؤدّي إلى نزع هذا الفتيل، من منطقة عانت كثيراً من انفلات العنف مؤخراً؛ وإلى الحد الذي كاد يهدّد باندلاع نار تتمدّد إلى سائر أنحاء البلد. وبالرغم من المصالحة الشاملة التي جرت مؤخراً، بين الأطراف المتخاصمة في عاصمة الشمال؛ بقيت المدينة وجوارها مسرحاً لتفجيرات متفرقة.
منها ما استهدف ناقلات للجيش وأوقع العديد من الضحايا. ومنها ما رمى إلى نشر الرعب وبما يعيد تأجيج أجواء الفتنة، في المدينة. سيف العنف بقي مسلطاً فوق رأسها. كما كثر الحديث عن تسلّل لمثل هذه العناصر عبر الحدود الشمالية وفي الاتجاهين. الأمر الذي زاد من خطورة الوضع ودقة الظرف.
كل ذلك تسبب بإثارة شكوك وعلامات استفهام، أخذت تحوم فوق المصالحة الطرابلسية ومدى جدّيتها وقدرتها على الصمود. مع توقيف عناصر من هذه المجموعة، يكون الشق الأمني قد دخل غرفة العناية. أو هكذا يفترض. لاسيما إذا توالت التوقيفات ومعها الاعترافات والمعلومات. وبالأخص إذا توفر التعاون والتنسيق اللازمين.
ومن أخطر ما كشفت عنه التحقيقات، أن هذه المجموعات والعناصر تستعين ببعض المخيمات الفلسطينية وتحاول الزج بها في العمليات، إلى جانبها. وسابقة مخيم نهر البارد العام الماضي، وما انتهت إليه؛ تنطق بمدى خطورة انزلاق الأمور مرة ثانية، إلى مثل تلك المواجهة؛ وما أثارته وتركته من مشكلات وتعقيدات؛ لا يتحملها لبنان ولا المخيمات الفلسطينية.
وما يشجع على استبعاد مثل هذا السيناريو، ليس فقط انكشاف أمر هذه الخلايا والبدء في تطويقها؛ بل أيضاً وأساساً وعي كافة القوى الفلسطينية لهذا المخطط والإعراب عن عزمها على تحصين المخيمات ضده والتصدّي له؛ بحيث لا يكون هناك « بارد» آخر، بعد اليوم.
بالرغم من أهمية كل ذلك، يبقى التحصين الفعلي الأول والأخير للساحة اللبنانية؛ مرهونا باستعادتها لوحدتها الوطنية، على قاعدة التحاور بخصوص القضايا الجوهرية المختلف حولها؛ وبما يحصر الصراع بشأنها ضمن الأطر المؤسساتية والدستورية، المعمول بها.
اللبنانيون يعرفون ذلك. لذا وضعوا أنفسهم، ولو ببطء، على هذا الطريق؛ من خلال مصالحات مناطقية؛ كما من خلال البدء بحوار وطني عام، انعقدت أولى جلساته قبل حوالي شهر، على أن تستأنف مطلع نوفمبر المقبل. الخروج من هذا الأخير بما يضمن السلم الأهلي ويضبط إدارة الخلافات السياسية؛ بات بمستوى القرار المصيري، قبل أن يصبح لبنان ساحة تضج بخلايا من مختلف الأصناف.
