الحزب تنظيم شعبي له أيديولوجية وبرنامج عمل يعي لتطبيقه سواء كانت في المعارضة أو في السلطة، وتحكمه ضوابط داخلية متفق عليها . والمجتمع المدنـي هو مؤسسات شعبية موازنة لمؤسسات الدولة مثل : الأحزاب والنقابات وجمعيات النفع العام، وهي مهنية وثقافية لها معاييرها وضمن ضوابط قانونية تضعها وتطبقها الدولة وقد تختلف من بلد لآخر.
وكون الأحزاب السياسية جزءاً من المجتمع المدني إذن هناك علاقة بين الاثنين. وما يهمنا هنا الأحزاب السياسية والمجتمع المدنـي في العالم العربي . ففي العالم العربي الذي يبلغ عدد سكانه 300 مليون نسمة 300 حزب سياسي . ويتفاوت عدد الأحزاب من بلد عربي لآخر حسب حجم السكان وعراقة العمل السياسي، وأيضاً هامش الحرية والديمقراطية في بعض الأقطار العربية . والسؤال الذي ربما يتردد ما هي طبيعة نشاط الأحزاب والمجتمع المدني، وهل يمكن الاكتفاء بأحدها عن الآخر ؟ وهل توجد ازدواجية بين نشاط الطرفين وما هي سلبيات وإيجابيات مثل ذلك النشاط ؟
إنها لا شك أسئلة كبيرة، والإجابة عليها ليست قاطعة وحاسمة. إن وجود الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدنـي في أي بلد دليل على الحراك السياسي والاجتماعي فيه، ومستوى الوعي السياسي والثقافي فيه. لكن المهم ما هي طبيعة النشاط السياسي والاجتماعي الذي تقوم به الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدنـي، يرى البعض بأن الأحزاب في العالم العربي من واقع تجربتها طوال القرن العشرين لم تكن إيجابية بصورة عامة، فقد كانت طرفاً أساسياً في الصراع السياسي والاجتماعي في عدد من الدول العربية، مما عطّل تقدمها بالصراع على السلطة أكثر من الاختلاف على تحرر وتقوم تلك الدول.
ويرى آخرون عكس ذلك بأن الأحزاب السياسية خيار شعبي جاء على خلفية التسلط والقهر والتخلف، وأنها تشكل طلائع تلك الشعوب المثقفة والمسيّسة التي ستتولى عملية النهوض والتقدم، وضحت بالكثير وبدونها لا يمكن أن تكون هناك ديمقراطية أو تقدم، ويستشهدون بتجارب الدول المتقدمة، ودور الأحزاب فيها .
ويجادل طرف ثالث حول طبيعة العلاقة بين الأحزاب والمجتمع المدنـي من منطلق أن أحدهما هو بديل للآخر، وأن عصرنا يشهد نمواً كبيراً لمؤسسات المجتمع المدنـى أي أن الأحزاب في طريقها للانقراض حيث تولى المجتمع المدني مهمة الأحزاب، وأكثر من ذلك بعد أن أصبح يمثل الرأي العام الشعبي الضاغط من أجل الحقوق الأساسية للمواطن وبخاصة قضايا الحريات والتنمية والحياة الدستورية والقانونية .
إن تلك القناعة تسندها حقيقة تاريخية هي فشل الأحزاب العربية منذ نشأتها حتى اليوم في تحقيق النهضة والتقدم لهذه الأمة سواء كانت في السلطة أو في صفوف المعارضة، وتجدر الإشارة هنا إلى أن ذلك الحكم عاماً على أحزاب التيارات السياسية والفكرية العربية القومية والليبرالية والماركسية والدينية .
نعلم أن معظم مؤسسات المجتمع المدنـي في الأقطار العربية هي واجهات لأحزاب سياسية، وبعضها يختفي خلفها في نشاطه العلني إلا أن عودة الأحزاب إلى نشاطها ونجاحها مرهون بمدى ديمقراطيتها داخل كل منها أولاً ثم فيما بينها أي قبولها التعامل والتجاور مع الآخـر . لكن كما يبدو من دراسة الواقع الحزبي العربي فإن ذلك الحلم بعيد المنال، وإن الصراع الحزبـي يعكس بؤس الواقع العربي الاثنـي المعاصر العرقي الطائفي المتخلف حتى أصبحت الأحزاب السياسية طائفية وعشائرية. الملفت للنظر لمن عاش الماضي القريب أو قرأ عن فترة الخمسينات والستينات من القرن العشرين يرى واقعنا متخلفاً عنه على كل المستويات.
هذه المقالة تتعامل مع إشكالية العلاقة بين الأحزاب والمجتمع المدنـي، فالأحزاب بصورة عامة سياسية، ومؤسسات المجتمع المدنـى ليست بالضرورة سياسية بل أغلبها اجتماعية ومهنية وثقافية لا تخلو من التأثير السياسي، هنا ليست مهمتنا معالجة الأزمة داخل الأحزاب أو بينها، ولا واقع المجتمع المدني المتناقض، الأحزاب تحكمها وتوجهها أيديولوجيات، أما مؤسسات المجتمع المدني فهناك تأثير للأيديولوجيات عليها ولكن لا توجهها أو تتحكم فيها. ما نحن بصدده هو معرفة دور كل منهما وطبيعة العلاقة بينهما، ومدى أهمية المجتمع المدنـي في عصرنا .
يشتكي الكثيرون من ظاهرة معاصرة هي تراجع الثقافة في حياتنا فإذا كان عمل ونشاط الأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني يعتمد على الثقافة السياسية وغيرها والثقافة تتدهور فما هي الحال الذي ستكون عليه الأحزاب والمجتمع المدنـي؟!
ذلك يطرح قضية التأسيس لثقافة نوعية وجادة خاصة لمجتمعاتنا النامية، وبعد ذلك بناء ثقافة الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدنـي وليس العكس وهذا يتطلب دوراً محورياً وأساسياً للمثقفين الحقيقيين، وأن تبادر نخبة النخبة المثقفة لتلك المهمة الكبيرة والخطيرة. إن الإشكالية التي يدور حولها الخلاف والاختلاف هي أن الأحزاب السياسية العربية قد أدت إلى مزيد من التجزئة والصراع الأيديولوجي والبنيوي، وإن دور مؤسسات المجتمع المدنـي لا يجب أن يكون بديلاً لدور الأحزاب.
وإنهما مرتبطان بالديمقراطية فلا ديمقراطية بدون أحزاب ومؤسسات المجتمع المدنـي، ولا أحزاب ومجتمع مدنـي بدون الديمقراطية، والمهم أن لا ينشغل المثقفون بهذه الجدلية المتقاطعة إلى مالا نهاية، ويبدو أن الأمر مرهون بتغيـر الواقع، وهذا بدوره مرهون بتحول تاريخي يشهده الواقع العربـي يفتح الطريق أمام تطور حقيقي سياسي واجتماعي وثقافـي لكن هذا التحول المنشود لا يمكن لأحد أن يراهن على زمنه ومدى تأثيره.
تبقى قضية مهمة ونحن نطرح طبيعة العلاقة بين الأحزاب والمجتمع المدنـي هي طبيعة علاقة الاثنين بالسلطة القائمة في كل بلد عربـي. إن طبيعة السلطة السياسية في العالم العربـي إما جاءت نتيجة حكم أسري وراثـي، أو بانقلابات عسكرية، وهذه الطبيعة لهذا التكوين والنشأة يفرض نهجاً في الغالب لا ديمقراطياً في التعامل مع مؤسسات يفترض فيها أن تكون ديمقراطية.
لذلك نجد أن العلاقة بين السلطة والأحزاب والمجتمع المدنـي هي كلعبة القط والفأر إما أن تدجّـن وتكون ضمن السلطة، أو تابعة لها، أو في صراع مع السلطة، وفي كلا الحالتين تعطيل لمسيرة الشعوب النامية التي من ضمنها شعوبنا العربية . إن فك الاشتباك بين السلطة من جهة والأحزاب والمجتمع المدنـي من جهة أخرى يتطلب نهجاً ديمقراطياً يحدد حقوق وواجبات كل طرف دستوراً، وممارسة ذلك قانونياً في الواقع.
كما يتطلب الأمر وجود قوى شعبية واعية ضاغطة تمنع التحوير والتلاعب في الدساتير والقوانين بين الحين والآخر حسب مقتضى الأحوال والتقلبات السياسية. وحتى لا نوصم كل السلطات بأنها لا ديمقراطية نقول للحقيقة إن بعض السلطات العربية لديها هامشاً ديمقراطياً يتطلب من المثقفين والمخلصين اقتناص الفرصة لتطويره، وتوسيع دائرته، والعمل على استمراره، وهذه مسؤولية كبيرة في ظل ظروفنا الراهنة، أما الانتظار لحين تغيّر الظروف فهذا لعمري العجز وكمن يقول ( أسيبك للزمن ).
والزمن لا يحل مشكلة نعم قد تكون الظروف غير مهيأة في فترة من الفترات لكن علينا أن نفعّل مؤسسات المجتمع المدنـي لذلك الدور، كما لا نهمل دور الأحزاب السياسية بشرط التخلي عن تراثها المتراكم والمليء بالمتناقضات والصراعات والاضطراب الفكري والأيديولوجي.
كاتب كويتي