دهشتُ مؤخرا وأنا أتابع تصريحات بعض المسؤولين الأمنيين في دولة عضو في الاتحاد الأوروبي، وهم يشيرون إلى أهمية تعليم اللغة العربية وتاليا الشرقية في المناهج التي تدرس لضباط المخابرات وغيرهم من المعنيين في ما يسمّى الحرب ضد الإرهاب. فقد تحدّث هؤلاء المسؤولين عن هذا الأمر بعلنية وقحة استفّزتني كمواطن عربي، لأنهم ومن خلال تصريحاتهم نبشوا في نفوس الكثيرين جملة من الأمور التي تدعو للأسى والغضب وأهمها:

- أن لغة الضاد التي كانت ذات يوم رمزا للحضارة الإنسانية أصبحت في عصرنا البائس هذا وسيلة مرادفة للصراع ضد الإرهاب. وبدا هؤلاء من خلال الحماس الذي ميّز خطابهم وكأنهم يريدون أن يكونوا أكثر دقة في التفسير ليضعوا الحضارة العربية بأكملها في دائرة الاتهام، لكن يبدو أن الدبلوماسية الأخلاقية الذاتية (ولا أقول الجهد الدبلوماسي العربي) قد منعهم من ذلك.

- أن فروع تعليم الآداب واللغة العربية في الجامعات الأوروبية لم تؤسس بهدف تعزيز الإدراك والوعي العلمي الأوروبي عن تاريخ وحاضر الشرق بكافة تفرعاته، بل لكي تخرّج منها أجهزة المخابرات والأمن «الخبراء» الملمّين بتفاصيل العالم العربي والشرقي عموما. ما عزّز هذه القناعة لدي هو أن المستشرقين والمستعربين الكبار لم يستنكروا تصريحات هؤلاء المسؤولين بأي شكل من الأشكال. إضافة لذلك، فإن تدخل وزارات الداخلية، وليس التربية والتعليم، لتمويل فروع الآداب واللغة العربية مثلما حدث في تشيكيا مؤخرا، هو أمر يدعو في حدوده الدنيا للاستغراب والتعجّب.

- أن هذه الدول باتت تستفيد من تجارب الصراع العربي - الإسرائيلي ببعده الثقافي، بحيث أنها اقتنعت على ما يبدو بالفكرة الإسرائيلية التي أحترمها شخصيا وأعتبرها جيّدة، والتي تدعو لنشر لغة «العدو» وتعليمها بشكل واسع لأن من شأن ذلك أن يعزز الإمكانيات الدفاعية وحتى الهجومية ضده. وإذا سلّمنا جدلا بأن المواطن العربي، بغض النظر عن انتمائه الديني أو الفكري، متّهم دائما بالإرهاب حتى تثبت براءته، فإن اللغة العربية هي حسب هذا المفهوم وسيلة قتالية ضرورية بل قد تكون سلاحا استراتيجيا يجب الحصول عليه بأي ثمن.

انطلاقاً من هذه الحقائق تبرز أمامنا سلسلة من الأمور التي قد تكون ضرورية لفهم واقع الحال المزري الذي وصلنا إليه، والذي يجبرنا على التفكير في كيفية فهم الأزمة التي عجز دبلوماسيينا عن مواجهتها، نظرا للشوائب الكثيرة التي تعتري عملهم في الخارج إن كان بسبب عدم الكفاءة أو قصر النظر أو اللامبالاة، أو ربما عدم التوحّد في كيفية تقييم الخطر المحدق.

أولى هذه الأمور هو أن الصراع ضد الإرهاب قد وضعنا أمام مرحلة جديدة كلّيا تقتضي من كل مواطن عربي أجبرته ظروفه للعيش في الخارج، بأن يحصّن نفسه تجاه الضغوط التي ستمارس ضده، ليس من رجال الأمن فحسب، لكن أيضا من رجال الفكر. والخطورة هنا تكمن في أنه إذا لم يستسلم ضعاف النفس للطرف الأول، فإنهم قد يستسلمون حتما للطرف الثاني.

وفي حال تم ذلك فعلا، فإنه ينذر بعواقب خطيرة جداً أقلها أن تتمكن الأجهزة المعنية من خلق إرادة جماعية شاملة في وطنها لا تسعى لاستقطاب الشباب العربي المغترب للاستفادة من كفاءاته وقدراته لبناء وطنه الجديد الذي قرر أن يعيش فيه، بل لتحقيق أهداف ومآرب لا تزال حتى الساعة غير واضحة الأبعاد والمعالم.

كما أن هذه الحالة الجديدة، إن تم تكريسها فعلا ودون أية ردود أفعال واضحة من قبل المستشرقين، فإنها ستسلّط الضوء على العمل الذي قام وسيقوم به هؤلاء ممّن يدّعون قربهم من الشرق ويفخرون بلقب «المستشرق» الذي يطلق عليهم. هذا لأنها ستعزز في الحدود الدنيا الشكوك التي سبق لمفكرين كثر أن تحدثوا عنها، وأبرزهم إدوارد سعيد، حول مفهوم الاستشراق لدى الغرب وكيفية استخدام المعارف المكتَسبَة خدمة لطموحات وأهداف السلطة الحاكمة.

وعندما أتحدث هنا عن الغرب لا أقصد فقط الدول الغربية التقليدية، بل أيضاً تلك التي أخذت تدور حاليا في فلكها لكنها كانت محسوبة سابقا على المعسكر الاشتراكي، حيث أن مستشرقي هذه الدول كانوا (ولا يزالون) معروفين بقربهم من دوائر صنع القرار في البلاد وتاليا من الأجهزة الأمنية المختلفة.

مقابل كل ما نشهده في هذا السياق، نرى في الجانب العربي قصورا واضحا في أكثر من قطاع وهو ما أشرتُ إليه سابقا بخصوص عدم فعالية العمل الدبلوماسي لمواجهة المخاطر المماثلة.

لكن القصور يتفرع من الساحة الدبلوماسية ليشمل للأسف الساحة الأكاديمية العربية، وينتقل منها تاليا إلى الساحات الحزبية والإيديولوجية المختلفة. ما أقصده بالتقصير هو أن هذه المؤسسات المعنية بالمواجهة سلبية كانت أم إيجابية لم تكلّف نفسها عناء الدعوة لفتح فروع لتدريس العلوم العبرانية، انطلاقا من أوهام ومعتقدات بالية لا تزال معشّشة في النفوس، مختصرها أن تعليم تلك الفروع يمثل نوعا من أنواع الخيانة، في حين أن الخيانة الحقيقية تتمثل حسب رأيي في حجب هذه العلوم عن الراغبين بسبر غورها.

ولا شك بأن بعض الجامعات العربية قد أدركت أهمية هذه العلوم لكن فروعها بقيت دون المستوى المطلوب ولم ترتق بعد إلى مستوى العلوم العربية والشرقية الموجود في إسرائيل أو الدول الأوروبية.

ما هو مطلوب إذن هو تعزيز الوعي العربي في ما يخص المواجهة الحالية الآخذة بالتطور تدريجيا والسائرة حتما نحو المستويات الفكرية - الحضارية. والمطلوب بكل تأكيد فتح الآفاق أمام الشباب وتسليحه بمزيد من الإدراك والمعرفة لكي يتمكن من مواجهة المخاطر الكثيرة المحدقة به في الخارج. بكل بساطة، إذا كانت المواجهة مطلوبة، فلتكن مواجهة مشرّفة بين طرفين متكافئين.

كاتب لبناني

ezzedine@vol. cz