أتساءل أحيانا: لماذا لا أصادف رجال دين مسلمين يتحدثون لغات أجنبية؟ الانجليزية أو الفرنسية أو الاسبانية أو حتى إحدى لغات شبه القارة الهندية.. الأوردو أو المليالم؟
لماذا لا نجد لديهم أي اهتمامات علمية أخرى غير تخصصهم الأصلي في علوم الشريعة والفقه كأن تصادف رجل دين لديه اهتمامات في علم الأعشاب مثلا أو الصيدلة أو الفلك أو الهندسة الوراثية أو حتى التاريخ أو علم الانثروبولجي؟
لقد جددت الأسابيع القليلة الماضية هذه التساؤلات إذ كانت هذه الأسابيع حافلة بردود فعل حيال رجال دين مسلمين تتفاوت ما بين السخرية المحضة إلى التأسي أثارتها آراء مثل تحريم أكل حلوى «الزلابية» إلى وجوب قتل «أصحاب الفضائيات» درأ للفتنة إلى الزوبعة الأخيرة حول ما قيل انها فتوى بقتل «ميكي ماوس».
لم أطلع على نص ما قيل انه فتوى تحريم الزلابية أو فتوى «قتل أصحاب الفضائيات»، لكنني اطلعت على الجزء المتعلق بما سمي «فتوى» الشيخ محمد المنجد حول قتل «ميكي ماوس» وهو مقطع صغير موضوع في موقع «يو تيوب» على شبكة الانترنت.
لكن ما استوقفني هو أن من قام بوضع هذا المقطع هو معهد مقره الولايات المتحدة يسمى «مركز أبحاث إعلام الشرق الأوسط» الذي يعرف اختصارا ب«MEMRI».
ومن الواضح تماما أن الشيخ الذي كان يتحدث عن الفئران باعتبارها مخلوقات ضارة مستعينا بتفاسير من الشريعة الاسلامية، لم يطرح رأيه باعتباره فتوى، هذا أولا.
ثانيا، من الواضح أن من استنتج أن الشيخ أفتى بقتل «ميكي ماوس»، فهم كلام الشيخ حرفيا وبتسرع، هذا إذا ركنا للتفسير حسن النية. فالشيخ بعد أن شرح مضار الفئران، داعب محاوره باحالته إلى مفارقة بالقول ان «ميكي ماوس» ب(اعتباره شخصية محبوبة) حكمه القتل «في الحل والحرم».
وكان واضحا أن الشيخ يلقي بدعابة ولم يكن يتلو فتوى. لكن افتراض جهل الشيخ المنجد بأن ميكي ماوس شخصية فنية مبتكرة مردود عليه لأن الشيخ كان يتحدث قبل ذلك عن شخصيتين كارتونيتين اخريين هما «توم وجيري» وهذا ما يرجح لدي أن نقل حديث الشيخ والإشارة إليه باعتباره فتوى وتعميمه على هذا النحو السريع عالميا، كان امرا ينم عن سوء نية مقصودة وينطوي على حكم إدانة مسبق.
مع هذا، ومع احترامي للشيخ المنجد، لم أجد في حديثه سوى نسخة مكررة لمعضلة باتت تلفنا في السنوات الاخيرة وهي المتعلقة بعلاقتنا بالدين والحياة. لقد بات عدد متزايد من العرب والمسلمين يلتمسون تفسيرا لكل ما حولهم وفي حياتهم اليومية من النصوص، واصبح التدين في احد مظاهرة المقلقة مرتبطا بتلمس تفسير ديني وأحيانا غيبي لكل شيء حتى تلك التي يتعين ان نتعامل معه بمقاييس علمية.
فمضار الفئران أو المخلوقات الضارة الأخرى لا تستدعي تفسيرا دينيا لكي يقتنع الناس بمضارها لأن هذا ثابت علميا ان لم يكن بالفطرة. ومنذ اختراع شخصية «ميكي ماوس» و«توم وجيري» قبل عقود طويلة، لم يطرأ أي تغيير على سلوك أجيال متعاقبة من المسلمين حيال الفئران في الواقع. فلا الأطفال ولا المراهقين ولا الكبار وجدوا فأرا في البيت وفرحوا به وقاموا بتربيته.
السبب قد يكون في جزء منه وعي ديني حتى في حدوده الدنيا، لكن الثابت ايضا ان السبب الاساس وعي علمي. هذا لا ينطبق على المسلمين فحسب بل على الناس في كل مكان ايا كان دينهم.
لكن لنتصور الامر على نحو آخر، لو أن المنجد استعان بحجج علمية حول مضار الفئران وليس ما ذهب اليه من تفسير ملتمس من الشريعة؟ كان الامر سيكون مختلفا بالتأكيد ليس لدرء حملة تشويه سيتعرض لها لاحقا مثلما جرى الامر، لكن للتبشير بنوع جديد من رجال الدين المسلمين.
رجال دين لا يعيشون عزلة ذهنية ونفسيه عن العالم، متوحدين في علوم الكلام فحسب والنص القرآني والاحاديث النبوية. فالجهل باللغات والانقطاع عن العلوم الدنيوية لا يخلق سوى شخصية منغلقة بل تعاني نوعا من الانفصام مع الواقع المعيش واليومي، شخصية لا أجد من داع للقول انها قد لا تكون شخصية يتعين الاقتداء بها.
إن لرجال الدين دورا حيويا ومؤثرا في الحياة اليومية للناس، ومثل هذه الشخصيات التي تعيش عزلة ذهنية ونفسية عن العالم لن تكون بالتأكيد الشخصيات النموذجية التي يتعين الاقتداء بها. هذا الانفصام تعبر عنه في احد مظاهره هذه الآراء والفتاوى التي تتناول الصغير وأحياناً التافه من الأمور، والخاسر الأكبر لن يكون سوى الإسلام نفسه. فالعالم لا يسمع عن الإسلام سوى فتاوى القتل والتحريم.
ولكي نتصور فداحة الأمر، ليس علينا سوى استقراء ردود الفعل التي جلبها رأي المنجد في الفئران، ولن يهون علينا هنا الإشارة إلى سوء نية الآخرين في التلقي والتفسير والاستنتاج، بل ان هناك مسؤولية غائبة عن مثل هذا النوع من رجال الدين الذين لا يفعلون سوى أن يبعثوا بالرسائل الخطأ للمتلقين في أي مكان وتقديم إسلام مشوه ليس فيه سوى التحريم وفتاوى القتل.
كاتب وصحافي بحريني
