عودة عمليات تفجير السيارات المفخخة والمتجولة، إلى بغداد وغيرها؛ تدعو إلى الخشية والتخوف. ليس فقط لأنها تستحضر شريط الماضي القريب. بل أيضاً، لأنها تشي بأن ما تحقق على صعيد الأمن، كما على صعيد حلحلة الأوضاع عموما؛ قد بات مهدّداً بالانتكاس.

والأخطر أن تكون هذه العودة عنواناً لجولة جديدة من الصراعات المدمرة، سعياً إلى توازنات ومعادلات مختلفة؛ بعد التعثرات المستحكمة في العملية السياسية. يزيد من المخاوف، بروز ظاهرة التهجير لأقليات، في منطقة الموصل؛ والتي ما زالت تتفاعل بالرغم من التدابير الأمنية التي اتخذتها السلطات المعنية على وجه السرعة.

التفجيرات وأعمال العنف المتزايدة انتعشت في الآونة الأخيرة، وهي تتوالى، كما يبدو، بصورة متناغمة. تتغذى من بعضها، تحرص أن تكون حصيلتها موجعة ومشحونة بالاستفزاز الذي يكفل ردوداً مماثلة. وكأن المطلوب عودة إلى دوّامة النزف الدموي السابق.

وهي تحصل على خلفية تحسّن أمني، ولو نسبي ورخو. كما تأتي في أعقاب تقدّم سياسي ولو ضئيل، تمثل في إقرار قانون انتخاب مجالس المحافظات؛ وفي بداية إلحاق قوات الصحوة بالأجهزة العسكرية والأمنية.

وكان استقبال العودة الملحوظة للدبلوماسية العربية، مؤخراً، إلى بغداد؛ قد أضفى المزيد من الإيجابية على الأجواء. ترافق مع ذلك بداية تنفيذ، ولو بطيء ودون المرتجى، لخطة عودة اللاجئين العراقيين. صبّ في مجرى هذا التصعيد وزاد من مخاطره، انفجار عنف طائفي جديد في شمال العراق.

هذه المرة ضدّ الأقلية المسيحية، حيث تحدثت الأنباء عن نزوح حوالي ألف عائلة، بعد موجة تهديدات وإشعال عدد من المنازل؛ فضلاً عن سقوط أكثر من عشرة قتلى. ومع أن السلطات الأمنية سارعت إلى اتخاذ تدابير أمنية واسعة، إلا أن الظاهرة بقيت تتفاعل كونها، بالحجم الذي أخذته، غير مسبوقة. كما أن توقيتها أثار الكثير من الشبهات والتوجسات.

لا أعمال العنف والتفجير، الناشطة بعد انكفاء، ولا عمليات التهجير؛ جديدة على المسرح العراقي. سبق وعرف، من الاثنين، ما يكفي ويزيد.

جولات القتل بالجملة حصدت مئات الألوف. موجات التهجير والنزوح اقتلعت الملايين، من كافة الطوائف. الانتعاش الحاصل اليوم على هاتين الجبهتين، لا يبدو أنه منفصل عن التجاذبات والصراعات المحتدمة والخلافات الناشبة بين القوى والجهات المعنية، المحلية والبرّانية.

التوصل إلى تسويات وتوافقات عراقية حول القضايا العالقة، يكفل سدّ الأبواب في وجه محاولات التأجيج، ويؤدّي إلى تجفيف منابع العنف والتهجير، فضلاً عن بقية الأورام الخبيثة التي تمعن تمزيقاً بالنسيج العراقي. وحدها المصالحة الوطنية هي السبيل إلى ذلك.. ولا مدخل سواها.