في خطوة أقل ما يمكن أن توصف به أنها مثيرة للجدل قامت مؤسسة النقد بتخفيض فائدة الإقراض 50 نقطة أساس وهو ما يعرف اصطلاحا بالريبو. وهو ما يعني خفض السعر الذي تقترض بموجبه البنوك من مؤسسة النقد. كذلك قامت المؤسسة بخفض الاحتياطي الإلزامي على الودائع من 13% إلى10%.وهي خطوات اعتبرها العديد من المراقبين تهدف إلى تلافي خطر شح السيولة لدى البنوك أو الاقتصاد العام. والبعض الآخر رأى أنها محاولة لإنقاذ سوق المال والبعض الآخر رأى فيها خطوة إيجابية تهدف إلى ضخ الدماء في الاقتصاد وذلك عن طريق تسهيل عملية الإقراض من خلال البنوك ومنح التسهيلات للقطاعات التنموية كقطاع البناء وإعادة الثقة للتعامل البنكي.

ما يجدر لفت النظر إليه هو أن هذه الخطوة جاءت بعدما قام الاحتياطي الفدرالي بخفض سعر الفائدة على الإقراض للبنوك في الولايات المتحدة وذلك لتلافي الأزمة المالية العالمية و التي صرح نائب محافظ مؤسسة النقد أن السعودية لم تتأثر بهذه الأزمة نتيجة وجود السيولة ونتيجة السياسة الاستثمارية المحافظة. خطوة مؤسسة النقد هذه تأتي اتباعاً للخطوة التي قام بها الاحتياطي الفدرالي الأمريكي ونتيجة للربط القوي للريال السعودي بالدولار الأمريكي و التي تحتم تغيير أسعار الفائدة تبعاً للتغير الحادث في الولايات المتحدة.

مؤشرات السيولة (M2) و (M3) للربع الأخير أظهرت ارتفاع حجم السيولة في الاقتصاد السعودي و هو ما يبدد المخاوف من شح أو نقص للسيولة. فعلى عكس الأزمة العالمية فإن ما تعانيه المملكة هو تضخم ناتج من زيادة في السيولة لم تتمكن القنوات الاستثمارية من استيعابها. والبنوك السعودية لا تعاني من نقص في السيولة كما أراد قرار مؤسسة النقد من حله قدر ما تعاني من مخاوف نفسية ناتجة عن الحركة الاقتصادية وهو ما يظهر في التخوف من إقراض أصحاب الأعمال المتوسطة والصغيرة والآن أصحاب الأعمال الكبيرة الذين يمكن أن يكون لهم انكشاف على الأزمة المالية العالمية.

الاقتصاد السعودي يعاني من تضخم داخلي ساعد على كبح جماحه انخفاض الطلب العالمي على السلع الأساسية نتيجة للأزمة المالية و هو ما ظهر في هبوط أسعار الحديد على سبيل المثال. ارتفاع الدخل في السعودية مع تراجع سعر صرف الدولار أديا لزيادة السيولة وانخفاض القدرة الشرائية في الوقت الذي تعاني فيه الولايات المتحدة من الحالة المعاكسة تماماً وذلك بانخفاض مستوى السيولة. والأزمة الحقيقية التي نعاني منها هو هذا الربط القوي بالدولار والذي إلى اليوم لم يصرح كل من وزير المالية أو محافظ مؤسسة النقد عن رؤيتهما تجاهها بالشكل المطلوب والمقبول من التحليل والرأي الذي تريده الصحافة.

قد ينظر العديد من الأشخاص إلى الخطوة الأخيرة لمؤسسة النقد على أنها تحرك جيد في حين أنه مجرد تحرك مرهون بالدولار و بالاحتياطي الفيدرالي. و للأسف فإنه حتى الآن وفي خضم الأزمة المالية العالمية الراهنة فإن هذا التحرك هو التحرك الوحيد حتى الآن الذي قامت به مؤسسة النقد وهو تحرك قد لا يخدم الاقتصاد السعودي في رأي بعض المحللين. المطلوب من وزير المالية ومحافظ مؤسسة النقد هو الظهور إلى العلن والتفاعل مع المجتمع عن طريق توضيح المراد من هذه الخطوات وانعكاساتها على الاقتصاد والمجتمع وكذلك الإجابة عن العديد من الاستفسارات التي باتت حيوية وعلى رأسها مسألة الارتباط بالدولار فليس من الممكن بعد الآن التهليل لكل القرارات دون تمحيص وتحليل.