المواطنون الإماراتيون يرون أن النمو السريع في نسبة المغتربين (أو كما يطلق عليهم الوافدون هنا) يشكل التهديد الأكبر للهوية الوطنية، في حين يرى المغتربون الغربيون (استثناءً لغيرهم من الآسيويين والجنسيات الأخرى) أن النزعة الاستهلاكية المفرطة هي التهديد الحقيقي لهذه الهوية.

هذا ما خلص إليه الاستبيان الذي أجرته شركة (YouGov Siraj) المتخصصة ببحوث السوق ونشرته صحيفة (The National) الإماراتية ونقله موقع (Arabian Business) الأسبوع الماضي، حيث وجد الاستبيان أن 60% من المواطنين الإماراتيين الذين وُجِّهت إليهم الأسئلة يشعرون بنوع من العزلة.

بسبب تراجع هويتهم الثقافية بشكل متزايد نتيجةً لتدفق عدد كبير من المغتربين، في حين يختلف معهم 71% من المغتربين الذين يرون أن أكبر تهديد للثقافة والهوية الإماراتية هو «المجتمع الموغل في المادية والاستهلاكية» الذي تتميز به الدولة.

غير أن الاستبيان توصل إلى أنه على الرغم من هذه المخاوف فإن 81% من الإماراتيين والمغتربين الذين أجرت عليهم الشركة الاستبيان قالوا إنهم يفضلون العيش في الإمارات، وذكر أكثر من نصفهم أن سجل الدولة الحافل بالأمان يعد عامل الجذب الرئيسي بالنسبة لهم.

وجاء في الاستبيان أن معظم الذين شاركوا فيه اتفقوا على إمكانية تطوير شعور بالهوية الوطنية عن طريق إيجاد رؤية موحدة في جميع أنحاء الإمارات يدركها المواطنون والمقيمون على حد سواء، وعن طريق نشر القيم التقليدية.

وبرزت الإيجارات المرتفعة ومشاكل المرور والتضخم بوصفها منغصات العيش الأساسية في الإمارات، ووجد الاستبيان أن المواطنين الإماراتيين هم أكثر من يعتقد أن الإمارات تُعَدُّ مكانا مناسبا لتربية العائلة، وأن 20% من الآسيويين الذين اشتركوا في الاستبيان تذمروا بشكل رئيسي من التمييز، وأن أغلب المغتربين الآسيويين والغربيين قالوا إن عدم تمكنهم من تحدث اللغة العربية لم يشكل عائقا في مهنهم.

هذا النوع من الاستبيانات مفيد، حتى لو اعتقد البعض أنه يفجر قضايا من ذلك النوع الذي يسمونه «المسكوت عنه» لأن الشفافية في التعامل مع مثل هذه الأمور أفضل من دفن الرؤوس في الرمال، ولأن معرفة طريقة تفكير هؤلاء الذين نعيش معهم على أرض واحدة أفضل من تجاهلها أو التعالي عليها.

إذ يجب أن نعترف بأننا مجتمع مفتوح، شاء لنفسه أو شاءت له طبيعة نشأته وتكوينه أن يحتوي هذا التنوع الكبير في العرقيات والثقافات والإثنيات والعادات والتقاليد وأساليب الحياة. وبعيدا عن تقييم مدى صواب هذا المنحى أو خطأه فإن علينا أن نتعامل مع الواقع الذي أصبح يفرض علينا نفسه ونحاول تغييره إذا ما رأينا فيه خطرا على كياننا وهويتنا ومستقبلنا.

ومن هذه الزاوية ربما علينا أن نقرأ التقرير الذي نشره غيث عبد الأحد في صحيفة (The Guardian) البريطانية الأسبوع الماضي أيضا تحت عنوان (نحتاج عبيدا كي نبني نصبا تذكارية) واصفا الإمارات بأنها وطن العمارات العالمية المبهرة، والجزر الصناعية، والمراكز التجارية الكبرى، ولكن وراء هذه الطفرة العقارية المذهلة يقف جيش من العمال المهاجرين الذين تم إغواؤهم في حياة من القذارة والاستغلال.

كتب غيث عبد الأحد هذا التقرير بعد أن قام بزيارة مقرات سكن عمال في كل من «مصفح» بأبوظبي و«ديرة» بدبي، ناقلا صورة من هذه المقرات لم تخلُ من وجهة نظر الكاتب التي ليس بالضرورة أن نتفق معها حتى لو كانت بعض هذه المشاهدات واقعية نعترف بوجودها.

لكنها ليست جميعا من صنع أيدينا باعتراف الكاتب الذي يقول إن مئات الآلاف من العمال المهاجرين قد دفعوا مبالغ تربو على الألف جنيه إسترليني لوكالات في بلدانهم بعد أن تلقوا منها وعودا بتقاضي ضعف الرواتب التي يتقاضونها فعلا.

وتذاكر سفر سنوية لزيارة عائلاتهم، لكن أحدا منهم لم يقرأ العقد الذي وقعه لأن قليلين منهم هم الذين يعرفون القراءة، حتى أولئك الذين تذمروا لقلة الرواتب اعترفوا بأن السلطات الأمنية هنا تتعامل معهم بشكل جيد، أما الذين يعاملونهم ك»حيوانات» وفق تعبير أحد العمال فهم المشرفون أو المراقبون في الشركات التي يعملون بها (الذين هم غالبا من جنسية العمال أنفسهم أو جنسيات وافدة أخرى).

بينما لا يعرف العامل إن كان صاحب العمل على علم بهذه المعاملة أم لا، أما العبارة التي اختارها الكاتب عنوانا لتقريره (نحتاج عبيدا كي نبني نصبا تذكارية) فهي لم ترد على لسان أحد مواطني الإمارات، وإنما وردت على لسان صديق له من جنسيته تربطه به صداقة منذ عقدين ويعمل مهندسا في الإمارات.

إذ بينما كانت زوجة الصديق تعد لهم الشاي بعد أن تناول العشاء على مائدتهما دفع صديقه الكرسي إلى الوراء وأشعل سيجارا ليبدأ الحديث عن سوق الأسهم، والاستثمار في منطقة الشرق الأوسط، ثم يتحولا إلى طرح مسألة العرقية.

ـ نحن لن نستخدم إطلاقا المترو الجديد إذا لم يتم الفصل فيه. هكذا قال المضيف لصديقه الكاتب مشيرا إلى مشروع المترو الذي يجري العمل فيه بدبي المجاورة.

ـ نحن لن نجلس إطلاقا إلى جوار الهنود والباكستانيين برائحتهم. (قالت زوجته)

ـ نحتاج عبيدا كي نبني نصبا تذكارية، انظر من بنى الأهرامات، لقد كانوا عبيدا. (قال صديقي)

ليست القضية إذن هي قضية الإماراتيين الذين يتربعون على القمة بأموالهم النفطية كما يصنفهم الكاتب واصفا إياهم بأنهم مرفهون ومدللون، يملكون كل شيء، وإنما هي قضية مجتمع يتكون من طبقات مختلفة، شأنه في ذلك شأن كل المجتمعات الأخرى.

لكنه لم يصل بعد إلى مرحلة السادة والعبيد التي وضعها الكاتب عنوانا لتقريره، فأهل الإمارات منذ أن خلقهم الله أبعد عن أن يصنفوا البشر أسيادا وعبيدا، هذا هو رصيدهم الذي يشهد لهم به الجميع، وهو أغلى من كل أموال النفط التي جلبت لهم كل هذا الخليط العجيب من البشر، وكل هذا اللغط الذي يثيره بعض الكتاب دون أن ينفذوا إلى أعماق هذا الشعب ليعرفوا حقيقته، مكتفين بجانب واحد من الصورة فقط لا يمكن أن يكون هو كل الحقيقة.

كاتب إماراتي : aliobaid4000@yahoo.com