نشرت صحيفة «الفاينانشيال تايمز» مسحاً أجراه بنك «إتش إس بي سي»، قالت نتائجه إن دولة الإمارات العربية المتحدة لم تعد مكاناً مثالياً بالنسبة للوافدين في تربية أبنائهم بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة، وقالت الصحيفة إنه عند مقارنة نتائج المسح الذي نشر منذ أيام بين 14 دولة يتبين أن الإمارات تأتي على رأس قائمة الدول التي يصعب فيها تربية الأبناء.

وأشارت الصحيفة إلى أن بريطانيا جاءت أيضا من ضمن الدول ال14 التي يصعب فيها تربية الأبناء. وتعليقا على المسح ونتائجه نجد أن تكاليف المعيشة ارتبطت ارتباطا مباشراً بتربية الأبناء لأنها ترتبط بمكان إقامة، تكاليف دراسة، علاج، مواد استهلاكية وغيرها من الأمور التي ندرك تماما ارتفاع تكاليفها خلال السنوات الأخيرة والتي لم تعد تثقل كاهل الوافد وحده بل الجميع بلا استثناء.

لكن التركيز على الوافد في هذا المسح قد يكون له أسبابه والتي أهمها اهتمامه بأوضاع الفئة الغالبة في المجتمع ومصالحها، واختلاف النتائج المتوقعة بالنسبة للوافدين عن النتائج التي كانوا يحققونها سابقا. فالوافد عندما يترك وطنه ويحتمل مع أسرته الغربة كانت العوائد المادية التي يحصل عليها عزاء له في غربته.

لأنها تسهم في تحسين أوضاعه في دولته التي يأتي منها، لاسيما وقد كان قادرا في الماضي على التوفير والادخار، لكن ارتفاع تكاليف المعيشة في الإمارات مؤخراً جعلته غير قادر على التوفير أو تغيير مستوى معيشته في بلده، مقابل إنفاقه الراتب كله هنا في الإمارات، والإقامة مع أسرته بوضع ربما لا يتسنى له في دولته.

فالوافد هنا يحظى بمكان إقامة جيد رغم ارتفاع أجرته، ويعلم أبناءه في أفضل المدارس والجامعات رغم ارتفاع رسومها، ويحظى أبناؤه بفرص عمل تجعله يرتبط من جديد بالإمارات خاصة وأن مستوى الخدمات والمميزات التي يحصل عليها الوافد أمر لا يحصل عليه في وطنه خاصة بعد موجة الغلاء العالمية.

وكلها أمور لم يخطط لها الوافد، إذ كان يخطط للعمل والتوفير والرحيل في أي يوم من الأيام بعد أن يحسن من أوضاعه في دولته، ويحقق شيئا من أهداف كان قد رسمها لنفسه وأسرته، لكن تكاليف المعيشة في الإمارات عرقلت سير الخطط كما يحب ويفضل.

فإذا كان هذا هو حال الوافد ومع ذلك يشعر بأن الإمارات لم تعد مكاناً مناسباً لتربية أبنائه، فما هو الوضع بالنسبة للمواطن الإماراتي؟ إذا كانت تكاليف المعيشة إحدى معوقات تربية الأبناء بالنسبة للوافدين الذين أصبحوا غير قادرين على الوفاء بمتطلبات المعيشة في الإمارات أو العودة إلى بلدانهم أو إرسال أسرهم إليها، فالوضع بالنسبة للأسر الإماراتية أصعب لأنها لا تملك خيارات أخرى.

فهي تقيم في وطنها، وهي مجبرة على تحمل تكاليف المعيشة تحت ضغط الظروف المادية. فلماذا لم يتحدث المسح عن أبناء المواطنين الذين لم يعد الواحد منهم يعاني في تربية أبنائه ماديا بل بات يعاني من أمور أخرى كالهوية الوطنية التي أصبحت تتنازعها هويات وثقافات شتت تركيز الأسر الإماراتية.

نحن لا نستغرب نتائج المسج الذي أجراه البنك، لكن ما يهمنا أن تهتم المؤسسات في الإمارات بإجراء بحوث ومسوح ودراسات أخرى تقيم من خلالها الوضع المعيشي بالنسبة للمواطنين حاليا ومستقبلا وقدرتهم على الصمود مقابل تكاليف المعيشة المرتفعة دون خسائر يتكبدها المجتمع لاسيما ونحن نتحدث عن ظروف مادية أصبحت تمثل عامل تهديد في تربية الأبناء، ثروة المستقبل!.

maysaghadeer@yahoo.com