لقد ابتعد العراق عن الحضن العربي وعن الاهتمام العربي منذ الغزو والاحتلال العراقي لدولة الكويت في عام 1990 ومنذ ذلك الوقت والعراق أصبح منبوذاً لدى الكثير من الأطراف العربية، ثم جاء الاجتياح والاحتلال الاميركي للعراق في عام 2003 ليعمق عزلة العراق عن عالمه العربي ويبعده كل البعد عن مكانه الطبيعي كبلد عربي ومكون هام من مكونات النظام الإقليمي العربي.
اليوم يبدأ العقلاء في العالم العربي بإدراك أهمية الاهتمام بالعراق كبلد عربي وضرورة عودته إلى حاضنته الطبيعية كما كان عزاً للعرب، فهاهم يتحركون في سبيل العودة إلى العراق. لقد جاءت الصيحة الأولى لعودة العرب للعراق من دولة الإمارات هذا البلد العربي الخليجي الصغير بحجمه والكبير بعطائه الذي دعا العرب إلى ضرورة العمل مع العراق من أجل مساعدته على تحقيق الأمن والاستقرار فيه ومن أجل تحقيق ازدهاره الاقتصادي.
لقد كانت زيارة وزير الخارجية الإماراتي سمو الشيخ عبدالله بن زايد في يونيو الماضي أول زيارة لمسؤول خليجي رفيع المستوى إلى العراق منذ سقوط نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين في عام 2003؛ ومن هناك أعلن الوزير الإماراتي عن رغبة دولة الإمارات إعادة فتح سفارتها وتسمية سفير جديد لها في العراق.
هذه الخطوة الإماراتية تبعتها خطوة دبلوماسية أخرى تمثلت في قيام سمو الشيخ محمد بن زايد ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة بزيارة إلى بغداد الأسبوع الماضي لتعطي المتابع انطباعاً واضحاً بأن القيادة الإماراتية يهمها العراق وما يحدث في ذلك البلد ويهمها عودته إلى الحاضنة العربية.
هاتان الخطوتان الدبلوماسيتان من قبل الطرف الإماراتي قابلهما أيضاً تحرك عربي عقلاني من دول عربية أخرى كالكويت والبحرين والأردن وسوريا وهي الدول التي أعلنت عن فتح سفاراتها وتسمية سفراء لها في العراق؛ سوريا بالطبع سمت في سبتمبر الماضي أول سفير لها في العراق منذ ثلاثين عاما.
وبالإضافة لتلك التحركات خرجت تحركات إيجابية من كل مصر والسعودية حيث زار مؤخراً وزير خارجية مصر أحمد أبو الغيط العراق في أول زيارة لوزير خارجية مصري للعراق منذ عام 1990، كما أبدت السعودية رغبتها في فتح مقر لبعثتها الدبلوماسية في بغداد، هذه التحركات سبقها أيضاً تحرك على صعيد الجامعة العربية التي عينت في وقت سابق مبعوثاً لها في العراق.
كل هذه التحركات العربية نحو العراق هي تحركات إيجابية وتصب في صالح المصلحة العربية حيث أن غياب العرب طوال السنوات الماضية لاسيما منذ احتلال الولايات المتحدة للعراق فتح الباب على مصراعيه لتوغل النفوذ الإيراني هناك.
خمس سنوات من الغياب العربي لم يخدم العرب على الإطلاق بل كان إيجابياً لأطراف أخرى استغلت الغياب العربي في العراق لصالحها كي تتوغل. اليوم وجد العرب أنفسهم بحاجة للعودة للعراق، كيف لا ويتواجد في العراق اليوم ما يزيد على خمسة وخمسين سفارة وقنصلية وبعثة رسمية أجنبية، فيما أن الحضور العربي محدود للغاية ولا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة.
نعم لقد كان للدول العربية تحفظاتها على إرسال بعثات دبلوماسية لها للعراق ومنها مثلاً تردي الوضع الأمني، لكن هذا العامل يجب أن لا يكون سبباً رئيسياً لاستمرار العزلة العربية عن العراق.
الوضع في العراق أصبح اليوم أفضل عما كان عليه في الماضي ولا يمكن لدعاة الدمار أن يوقفوا عزم العرب على مساعدة العراق كي ينهض في مواجهة مثل هؤلاء الأشخاص، والأمن مسألة وقت وتضافر جهود ويمكن للعرب أن يساعدوا في تحقيقه.
كما أن مقولة أن إيران هي التي تتلاعب بالحكومة العراقية أصبحت مقولة غير واقعية، فرغم معاناة العراق من التوغل الإيراني في ذلك البلد إلا أن الحكومة العراقية أثبتت بأنها في الكثير من الأحيان لا تتوافق مع إيران وأنها لا تعمل في إطار خط النهج السياسي الإيراني.
العراق أصبح بحاجة إلى العرب كي يساندوه في مواجهة الأعمال الإرهابية والتخريبية التي يحاول البعض نشر فكرها في العراق، كما أنه بحاجة إلى أن تدعم الحكومات العربية حكومة العراق في مواجهة الأطماع الإقليمية المتربصة به، فلماذا تكون سفارة إيران في العراق بالتحديد هي أكبر سفارة لإيران في حين أن السفارات العربية الموجودة هناك إما مغلقة أو محدودة وصغيرة؟
العرب بحاجة إلى أن يرفعوا من حجم العلاقة مع العراق إلى درجة جعل العراق مصلحة قومية عربية، وذلك لا يمكن أن يتم من دون وجود تمثيل دبلوماسي عربي كبير ينافس التمثيل الدبلوماسي الغير عربي في العراق. ولا يمكن لأحد لاسيما للسياسيين أمثالنا الذين درسوا السياسة وأصبحوا يدرسونها اليوم لطلبتهم أن يقلل من أهمية البعثات الدبلوماسية في تحقيق مصالح الدول.
فلا يستطيع العرب أن يلعبوا دوراً فاعلاً وإيجابياً في العراق من دون أن يكونوا حاضرين وبقوة في ذلك البلد. فالتقريب بين وجهات نظر الفرقاء العراقيين والعمل على جذب العراق للحاضنة العربية هي كلها أمور أساسية يجب أن يعمل العرب على تحقيقها فيما تبقى من الوقت .
لاسيما وأن العراق قد تُرك فترة ليست بقصيرة يعيش حالة من التوتر والخلافات الطائفية وتُرك مصيره في يد أطراف أجنبية لا تسعى إلا لتحقيق مصالحها، وهو الأمر الذي أضر بالمصلحة القومية العربية بشكل كبير. فالدعوة هي للعرب بأن يتحركوا وبشكل أسرع من اجل أن يكسبوا العراق لصالحهم سياسياً واقتصادياً.
فالعراق عز للعرب وقضاياهم السياسية على مختلف ألوانها وأشكالها وبالتالي حق للقادة العرب أن يجعلوا العراق استثمارهم الجديد لمستقبل لا يحمل في ثناياه إلا الكثير من التحديات والقليل من الفرص، والعراق فرصة العرب اليوم التي يجب أن لا تخسر لصالح جماعات تخريبية تود تدمير ذلك البلد ولا لصالح أطراف إقليمية لا تريد إلا استغلال العراق لصالحها.
وكل تلك التحركات العربية تعطينا انطباعاً مفاده أن عين العرب أصبحت اليوم تتجه نحو العراق في محاولة للعودة لذلك البلد وهو عين الصواب الذي يجب أن يكون عنوان المرحلة القادمة من علاقة العرب بالعراق.
جامعة الإمارات : binhuwaidin@hotmail.com