كان ذلك في الشهرين الأخيرين من عام 1959، حين حططت حقيبتي في مطار أثينا لأقضي فيها أسبوعا تصورته حافلا بمفاتن هذه المدينة التاريخية ذات العلاقة المتينة المتواصلة بثقافتنا ووعينا المعرفي، وذكريات دراستنا مبادئ الفلسفة ومنطق أرسطو، إلى جانب المعارف التي كان مدرسنا رحمه الله يدرسنا إياها لوجه الله، كعلم الفلك وعلوم العربية التي لم نكن درسناها في مدرستنا المسائية بعد، فنحن لم نرتق إلى المتوسطة.

وتفرقنا، ونحن فتيان، وسعى كل منا إلى اقتفاء مآثر العظماء التي لم نكن، بعد، وعَيْنا أبعادها في وجداننا، وأودعناها خزائن ما سيكون مرتكزا ومستودعا لمعارفنا المتفتحة على كل جديد. شباب ذوو ثقة بأحقيتهم في أن يرودوا المجاهل بحثا عن الحقائق الخبيئة وراء المسلمات المنطقية التي درجنا عليها.

حملت تاريخي المعرفي، البسيط أصلاً، وتطلعي إلى الآفاق المفتوحة التي أريد اقتحامها؛ وجئت إلى (سكوبيا). حين ودّعت أثينا والأكروبول، متوجها بالقطار إلى سكوبيا، عابرا إلى بلغاريا التي سآخذ منها القطار إلى موسكو التي قيل لي إنها تحتفظ بوصفة سحرية لعلاج (الدوزنتاريا المزمنة) التي أكلت أمعائي.

كنت شديد الحرص على تهيئة كل وثائق السفر، ما كان منها على صفة الجوازات والتأشيرات والهويات، وما كان منها على صفة النقود التي أنقلها في جيبي؛ وهو طقس شرطي ألزمت به نفسي منذ هذه السفرة، وما زال قائما معي إلى هذا اليوم. حقيبتي تكون جاهزة قبل يومين، وتكون مدعاة تندر من العائلة، ولكنني لم أغيرها!

ولكن ما فحوى هذه الفذلكة التاريخية التي تبدو غير ذات علاقة بما أنا بصدده أعني بعلاقة (سكوبيا) المدينة الجميلة الوادعة، يوم ذاك، بأيامنا هذه خطأ من مكتب السفر في بغداد نغّص علي مباهج السفرة، وبعثر أحلامي، وجوّعني، وأتعبني وملأني حزنا. كنت حوّلت ما افترضت أنه يكفيني إلى عملة صعبة، وأبقيت لنفسي مبلغا من ذوات العشرة دنانير العراقية.

في القطار عرفت من المفتشين أن بطاقتي لا تصلح لاجتياز الحدود اليونانية إلى يوغوسلافيا، وعلي أن أدفع الفرق، وكان كبيراً، أكل كل عملتي الصعبة، ولم يبق لدي غير نقودي العراقية من ذوات العشرة الدنانير.

وكنت في غاية الجوع، بلا فطور حتى الساعة الرابعة عصراً، لأن صراف القطار لم يعترف بنقودي، ولا حل إلا في سكوبيا. نزلت في محطة سكوبيا، وأنزلت حقائبي. واستدعيت حمالا يذهب بي إلى صراف في المدينة.

ذهب بي الرجل إلى مكتب سفر كبير شرحت له الموقف، وقلت له إنني لا أملك نقودا يوغوسلافية. ولا عملة غير العراقية، وأريد أن أتغدّى وأدفع للحمال حقوقه. فاعتذر بكونه لا يعرف سعر الدينار العراقي، ولذلك فهو لا يستطيع إسعافي.

وإذ كان سعر الدينار العراقي قويّا بعد خروجه من منطقة الإسترليني، رحت أرفع صوتي في الاحتجاج، الأمر الذي جعل موظفي المكتب يتجمّعون خلف الزجاج، وعلى وجوههم علامات الاستغراب. همس لي الحمال بأن الشخص الذي أناقشه، عربي، وأنه سيساعدني إذا كلمته بالعربية.

أحسست بأن مغاليق السماء فُتحت لي؛ فكلمته بالعربية فلم يهتم بي؛ فكلمته بالروسية، فالإنجليزية، فكلمات فرنسية مكسرة، فلم يحرك ساكناً؛ الأمر الذي حرّك مشاعر المراقبين خلف الزجاج، فانبرى أحدهم، وتناول الموضوع فاتصل بالبنك المركزي وعرف منه سعر الدينار العراقي.

وصرف لي مبلغ العشرة الدنانير، فانطلقت بها إلى أقرب مطعم، ومعي الحمال، فأكلنا، وعدنا إلى المحطة بانتظار القطار المتجه إلى صوفيا. وكانت المفاجأة أن علي أن أنفق كل ما لدي من نقود يوغوسلافية هنا في المحطة. ولم يكن هناك ما يُشترى غير الشوكولاته، ومقدار من السجائر المحليّة.

اليوم، علمت أن وزير الدفاع المقدوني قال إن بلاده ستسحب قواتها المؤلفة من (77) جنديا ستغادر القاعدة العسكرية في بلدة التاجي من العراق في نهاية عام 2008 بعد مشاركة استمرت خمس سنوات. وكانت مقدونيا جزءا من المهمة العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة في العراق منذ عام 2003.

(مقدونيا) ستسحب قواتها من العراق!

خبر جيد، أسعدني، وأعاد إلي ذكريات المدينة التي أحببتها وما زلت.

كاتب عراقي : mohammed_saggar@yahoo.fr