مع اقتراب الحملة الانتخابية للرئاسة الأميركية كانت كل التوقعات تؤكد أن الحضور العربي سيكون قوياً. فقضية العراق كانت تستأثر بكل الاهتمام وكانت تمثل محوراً أساسيا في الصراع الدائر منذ سنوات داخل أميركا حول جدوى الحرب وتكلفتها.

ومع العراق، كانت قضية فلسطين مرشحة أيضاً للتواجد بقوة في موسم الانتخابات بعد «الاكتشاف» المتأخر من جانب الرئيس الأميركي بوش لأهمية القضية الفلسطينية ومركزيتها في استقرار المنطقة وأوضاع الأنظمة فيها، وبعد رهانه على الوصول إلى تسوية «تاريخية» بين الفلسطينيين وإسرائيل قبل نهاية هذا العام.

ومع احتدام المعركة الانتخابية واقتراب موعد الحسم، تغيرت أوضاع كثيرة في المشهد السياسي، خاصة بعد انفجار الأزمة المالية التي عصفت بأميركا والعالم. ومع ذلك يبقى العرب حاضرين.. ولكن كيف؟ وبأي صورة؟

بالنسبة للفلسطينيين.. رفعت القضية من الخدمة في ساحة الانتخابات الملتهبة بعد فشل مخططات الإدارة الأميركية للوصول إلى التسوية الموعودة، وبعد انهيار الوضع الفلسطيني الداخلي، وبعد الهدوء السائد بين إسرائيل والطرفين الفلسطينيين المسيطرين علي السلطة في غزة أو الضفة.

وهكذا خلت الساحة الأميركية في حمى الانتخابات من أي حديث عن فلسطين، وتفرغ المرشحون لإظهار التأييد والولاء لإسرائيل. واكتفى العرب - في عز هذه المعمعة - بالدعوة لجلسة في مجلس الأمن لمناقشة الاستيطان بدت كأنها جلسة لتبادل العزاء الذي لم يقطعه إلا فاصل التأنيب من جانب وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس للعرب الذين لم يقدموا ما يجب لإسرائيل من علامات الرضا والقبول والتطبيع والتركيع!!

أما العراق فقد بقي بالطبع ـ رغم انفجار الأزمة المالية ـ يمثل جزءاً هاما في الحملة الانتخابية.. فالأمر هنا يتعلق بأكثر من 300 ألف أميركي نصفهم من الجنود في الجيش الأميركي ونصفهم في شركات الأمن الخاصة العاملين في العراق، وبآلاف القتلى وعشرات الآلاف من الجرحى الأميركيين في هذه الحرب التي قصمت ظهر أميركا عسكريا واقتصاديا، ظل العراق حاضراً بقوة في المعركة الانتخابية.

ولكن من منظور أميركي بحت، وفي إطار الانقسام الأساسي داخل المجتمع الأميركي حول جدوى الحرب، وحول موعد الانسحاب، وحول اعتبارها خطأ مأساويا اضر بالمصالح الأميركية من جانب أوباما والحزب الديمقراطي، واعتبارها ضرورة لتأمين سلامة أميركا ضد الإرهاب من جانب ماكين والحزب الجمهوري.

أما الشعب العراقي الذي دفع مليون شهيد ضحية لقرار أميركا بغزو بلاده فلا وجود له فيما يدور علي الساحة الانتخابية، وأما تحويل العراق من قوة عسكرية واقتصادية لها مكانتها في التوازنات الإقليمية إلى بلد تم تدميره بالكامل.

فهو أمر خارج المناقشة، بل ان الصورة تصل في النهاية إلى تحميل العراقيين المسؤولية عن كل شيء، فهم الذين قتلوا بعضهم وليس الأميركيين، وهم الذين يمثلون مجتمعاً متخلفاً منقسماً لا يقدرون الجميل الذي أسدته لهم أميركا بإسقاط النظام السابق حتى ولو كان الثمن تدمير العراق كله!

لكن الأخطر ـ بالنسبة للعرب ـ يجئ بعد ذلك، وبعيداً عن قضيتي فلسطين والعراق، ومع انفجار الأزمة المالية الهائلة بكل تداعياتها، ومع سيطرة العامل الاقتصادي على المعركة الانتخابية، ومع المخاوف التي تزداد وطأتها على الناخب الأميركي من انهيار الوضع الاقتصادي انهياراً شاملاً.

هنا يصبح طبيعياً أن يقدم المرشحان للرئاسة تصوراتهما للخروج من الأزمة، ويصبح طبيعياً استعادة الحديث الذي شاع مع ارتفاع أسعار البترول بضرورة زيادة اعتماد أميركا علي مصادرها المحلية أو الطاقة البديلة كأحد الحلول لمواجهة العجز المالي المزمن.

ولكن غير الطبيعي أن يقترن ذلك بالتحريض الذي يصل إلى العنصرية، وأن يتبارى الجانبان (الجمهوري والديموقراطي) في الحديث عن «ضرورة وقف الاعتماد علي استيراد البترول من دول لا تحبنا» كما حدث في مناظرة أوباما وماكين الأخيرة، وقبلها في مناظرة المرشحين لمنصب نائب الرئيس.

وأن تصل «التنويعات» علي هذه النغمة العنصرية إلى الحديث عن البترول القادم من «دول خطرة لا تراعي مصالحنا» أو من «دول ذات أنظمة خطرة أو متطرفة.. الخ» نعرف أن للانتخابات ضروراتها، ولكن الأمر هنا يتجاوز ذلك، واتفاق الجانبين المتصارعين في الانتخابات علي هذا الموقف هو أمر له دلالته وخطورته، وتوجيه مثل هذا الخطاب «المتفق عليه» إلى ناخب مأزوم بأوضاع اقتصادية سيئة وانهيار مالي هو دعوة صريحة لكراهية العرب.

وعندما يرتبط ذلك بسعي حثيث ومستمر لتخفيض أسعار البترول، وعندما نتذكر دعوة كيسنجر قبل شهور لتحقيق نوع من السيطرة على الفوائض المالية لدى الدولة البترولية، وعندما تزداد حاجة أميركا إلى المزيد من الأموال لإنقاذ نفسها.. يصبح السؤال عن هذا التوافق (الجمهوري ـ الديمقراطي) في الحديث عن «الدول التي لا تحبنا» أمراً ضروريا.

ويصبح علينا أن نفكر فيما سيطلب منا لكي نثبت أننا لسنا من «الذين لا يحبونهم» وهل سيكون «عربون المحبة» المطلوب هو تخفيض سعر البترول للحد الذي يناسبهم، أو وضع الفوائض المالية العربية في خدمة عملية إنقاذ أوضاعهم الاقتصادية.. مهما كانت خسائرنا هنا أو هناك؟.

كاتب صحافي مصري : elsadattt@hotmail.com