انتظر الرئيس بوش حوالي شهر، بلغت معه الأزمة المالية منتصف الطريق إلى الهاوية، قبل أن يعترف علناً ولأول مرة؛ بوجود حالات تلاعب وفساد، في المؤسسات الأميركية المتهاوية. اعتراف فات وقته من زمان. كما جاء غير مشفوع بخطوات ملموسة تؤدّي إلى وقف النزيف المتفاقم؛ والذي بات يهدّد بما هو أخطر وأدهى.

في كلمته إلى الشعب الأميركي، كان الاعتقاد أن الرئيس ربما يأتي بجديد، لمعالجة المشكلة. على الأقل للجم ما يشبه حالة الذوبان؛ في أسواق الأسهم. لكن ما قاله لم يغادر لغة التبريد والتهدئة. لم يكشف الرئيس سرّاً حين يتحدث عن فساد، كان ينخر في المؤسسات المالية الأميركية.

ثم أن ذلك، على خطورته، لم يكن له دفع الأزمة إلى هذا الحدّ؛ لو أنه لا يتكئ على خلل بنيوي؛ في النظام المالي المعمول به. علّة يكاد يجمع الخبراء على وجودها ومسؤوليتها، في ما وصلت إليه الأمور.

فضلاً عن أن الرئيس تأخر في الإقرار بما كان معروفاً ومسكوتاً عنه، في آن. عند هذا المفصل الخطير من حالة التداعي المتسارع، ما عادت لغة الوعظ والوعود والتحذير تكفي. بل قد يكون لها مفعول عكسي؛ إذ تعطي الانطباع بانسداد باب الحلول والمخارج.

القول بأن «القلق يغذي القلق»، صحيح. لكنه عملة بلا قيمة في سوق الثقة. هذه الأخيرة بحاجة ماسة إلى ما هو أكثر وأبعد من الوعد بتسريع خطة الإنقاذ. السوق ردّ على هذه الأخيرة، بإدارة الظهر لها؛ بعد يوم من ولادتها.

كان من الواضح أن الداء يلزمه من الأدوية ما يتعدّى حقن السيولة والتعويم. فالأزمة تشعّبت وتداخلت.. ثم تمدّدت. من أعتى آثارها أنها أدّت إلى ما يشبه تذويب الثقة، بين العناصر الأساسية، لشبكتي المال والأسواق.

مدير «صندوق النقد الدولي» يدعو، وبما يشبه النداء، إلى وجوب الإسراع في اتخاذ رزمة إجراءات عملية فعالة؛ لاستعادة هذه الثقة، التي تشكل حبل الإنقاذ، في اللحظة الراهنة. من بينها قيام الحكومات بتقديم ضمان لسوق الإقراض بين المصارف.

كما دعا إلى التعاون بين الدول، على قاعدة التدخل المباشر من جانبها. أوساط أوروبية، طرحت تصورات أخرى؛ منها تعليق نشاط الأسواق العالمية، إلى حين عودة الهدوء. الرئيس بوش سارع إلى رفض مثل هذا الاقتراح. كما رفض اللجوء إلى مبدأ تشديد الرقابة على حركة المداولات المالية. هذه المخارج ليست بالضرورة صائبة.

لكن رفضها مع الاكتفاء بالتطمينات اللفظية الوعظية وحدها، ليس البديل. اللحظة دقيقة. تصويب إصبع الاتهام إلى الفساد والمفسدين، من دون الذهاب إلى ما هو أبعد وأعمق، لا يجدي. على واشنطن كما على الأوروبيين، الخروج من حالة البلبلة، إلى ساحة الخطوات الفعالة والمشاركة الدولية الواسعة.