تراجعت انباء التهديدات الاسرائيلية بتوجيه ضربة عسكرية لتدمير البرنامج النووي الايراني من صدر الصفحات الاولى الى مرتبة متدنية، بسبب انشغال العالم الغربي بالازمات المالية، وانشغال اسرائيل بالمشاورات التي تجريها السيدة تسيبي ليفني رئيسة حزب 'كاديما' لتشكيل حكومة جديدة.
في الدوائر السياسية، ومراكز الابحاث والدراسات في الغرب، يدور جدل كبير حول هذه المسألة، والاحتمالات المتعلقة بها في المستقبل القريب، حيث تنقسم الآراء الى معسكرين رئيسيين:
' المعسكر الاول يعتقد بان كل الظروف والتطورات الحالية تصب في مصلحة ايران، وتجعل من اقدام اسرائيل والولايات المتحدة، مجتمعتين او متفرقتين على ضربها امرا صعبا للغاية. فالادارة الاميركية الحالية منشغلة بالازمة المالية، وكيفية انقاذ النظام الرأسمالي الغربي الذي تتزعمه من حالة الانهيار التي يعيشها حاليا، مضافا الى ذلك خوض هذه الادارة حربين خاسرتين في كل من العراق وافغانستان استنزفتا الموارد المالية والبشرية الاميركية، وتهددان في الوقت نفسه بفصم عرى التحالف الغربي حولهما.
' المعسكر الثاني، يرى ان احتمالات توجيه ضربة اسرائيلية لتدمير المفاعلات الايرانية ما زالت قائمة، وتزداد الحاحا يوما بعد يوم، وبسبب الاضطرابات المالية العالمية، وتراجع فرص النصر في حربي افغانستان والعراق. فالدولة العبرية تدرك ان الولايات المتحدة، حليفتها وداعمتها الرئيسية، تقف حاليا امام عملية تغيير سياسي واقتصادي كبير، تؤدي الى فقدان دورها القيادي على مستوى العالم في غضون سنوات معدودة، ولهذا من الأفضل التخلص من التهديد النووي الايراني بأسرع مدة ممكنة، وقبل فوات الاوان.
من الصعب ترجيح كفة معسكر من المعسكرين على المعسكر الآخر، وربما من الافضل التريث وعدم اطلاق احكام متسرعة، حتى ينقشع غبار الازمة المالية الطاحنة التي تجتاح العالم الغربي، والولايات المتحدة على وجه الخصوص، وتتضح نتائج الخطوات الانقاذية المتبعة من قبل الحكومات الغربية مثل ضخ مئات المليارات من السيولة النقدية لمساعدة البنوك الكبرى على التماسك، وتخفيض اسعار الفائدة بشكل جماعي لوقف تدهور البورصات والاسواق المالية.
وربما يكون من الحكمة ايضا انتظار نتائج الانتخابات الرئاسية الامريكية التي ستحدد هوية الادارة المقبلة والسياسات الخارجية التي ستتبناها لاخراج المجتمع الاميركي من أزمات وأخطاء الادارة السابقة، وهي انتخابات تبعد حوالي اربعة اسابيع عنا، اي انها باتت وشيكة للغاية.
الادارة الاميركية الحالية ادارة مهزومة، تتصرف مثل النمر الجريح الذي يلعق جراحه، الامر الذي يجعلها اكثر خطورة. فمن غير المستبعد ان تختم فترتها الثانية بمغامرة عسكرية جديدة في الاسابيع المتبقية من عمرها في السلطة، اي بعد انتهاء الانتخابات لتسليم الادارة الجديدة، خاصة اذا جاءت ديمقراطية، حيث ستؤدي الى ازمة اكبر، او حرب اخطر من حربيها في العراق وافغانستان، اي مع ايران.
صحيح ان هذه الادارة رفضت ان تعطي الضوء الاخضر لاسرائيل لتوجيه ضربات جوية الى ايران في الصيف الماضي، ومنعتها من استخدام الاجواء العراقية كممر لطائراتها المغيرة، مثلما تردد في الصحف العبرية، ولكن الصحيح ايضا انها زودت تل ابيب برادارات يمكن ان ترصد الصواريخ الايرانية لحظة انطلاقها، مما يعطيها الفرصة لتدميرها قبل الوصول الى اهدافها. ولكن هذا التطور يمكن تفسيره على انه تأكيد للضربات، وفي اطار الاستعداد لمواجهة اي انتقام ايراني.
فالادارة الحالية زودت اسرائيل طائرات (اف 35) المتطورة جدا، وقنابل ذكية قادرة على اختراق وتدمير التحصينات القوية، ولا نعتقد ان هذا التسليح المكثف لاسرائيل هو مجرد 'رشوة' للتراجع عن اي ضربة لايران، وانما هو لتشجيعها على هذه الضربة وفق التخطيط والتوقيت المتفق عليهما.
انه السكون الذي قد يسبق العاصفة او التسونامي الكبير، ومن المحزن ان الاكثر تضررا من جرائه، اي العرب، غافلون تماما، ولا يظهرون اي نوايا لمواجهته لتقليص الخسائر على الاقل ان لم يتأت منعها.
