في الوقت الذي تواصل فيه البنوك المركزية في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا العمل بالتعاون مع المؤسسات المالية الدولية وفي مقدمتها صندوق النقد والبنك الدوليين من أجل الحد ولو نسبيا من الأزمة المالية العالمية ومحاولة احتواء الآثار المترتبة عليها في النظام المالي الاميركي والعالمي، فإنه من الواضح ان الاستجابات النشطة والمسؤولة، خاصة بعد ان تغلب الاتحاد الاوروبي على تردده، من شأنها اعطاء دفعة ملموسة لجهود التصدي لهذه الأزمة التي تعد - باجماع الخبراء - الازمة الاسوأ منذ أزمة الثلاثينيات من القرن الماضي المعروفة باسم الكساد الكبير.
واذا كان من الطبيعي ان تمتد بعض آثار الأزمة المالية العالمية الى خارج النظام المالي الاميركي والاوروبي لتمس العديد من أسواق المال الآسيوية واللاتينية والاسترالية والشرق أوسطية كذلك بدرجات متفاوتة وفقا لمدى وحجم الارتباطات والتعاملات المالية مع البورصات والبنوك الاميركية المتضررة من الازمة، فإنه يمكن القول ان صغر حجم ومحدودية تعامل أسواق المال الخليجية والعربية على المستوى الدولي قد ساهم بالفعل في الحد من الخسائر والآثار المترتبة على الأزمة، وهو ما تعكسه حالة الأسواق الخليجية والعربية خلال الايام الاخيرة، خاصة وان التذبذب في أدائها انما يعود بالاساس الى عوامل نفسية، والى قلق من جانب بعض المستثمرين، ولاعلاقة لها بالأداء المالي للشركات المدرجة او القيمة الحقيقية للاسهم المتداولة.
ومع التحسن الذي حدث في سوق مسقط للأوراق المالية في نهاية تداولات الاسبوع الماضي، وهو ما يؤكد ما تمت الاشارة اليه، فإنه من الأهمية والضرورة، ولصالح المستثمرين والشركات التي يتم تداول اسهمها، سواء في السوق النظامية او الموازية، ان تسارع مختلف الشركات الى الافصاح عن نتائج أعمالها خلال الربع الثالث من هذا العام، اي على امتداد الاشهر التسعة الماضية، وان تقدم تقاريرها بنتائجها الى هيئة سوق المال من ناحية، كما تعلن اي شركات تأثرت بالأزمة المالية العالمية على اي نحو عن حجم وطبيعة ومدى تأثرها بهذه الازمة من ناحية ثانية.
صحيح ان هيئة سوق المال تقوم بدورها في متابعة الأداء ورعاية الالتزام بقوانين ولوائح التعامل والتداول في سوق مسقط للأوراق المالية، وجدواها واضحة وملموسة في الحفاظ على استقرار الأداء وشفافيته، ولكن الصحيح كذلك ان الالتزام بالشفافية والافصاح من جانب كل الشركات وفي المواعيد المحددة وفق أنظمة ولوائح سوق المال، من شأنه الإسهام ليس فقط في تعزيز ثقة المستثمرين في أداء الشركات التي يحملون اسهمها، ومن ثم التمسك بها، ولكنه يعزز ايضا الثقة والاستقرار بالنسبة لحركة التداول في السوق، وهو ما تحتاجه كل اسواق المال على كل المستويات الاقليمية والعالمية خاصة في هذه الفترة كجزء من اجراءات تجاوز آثار الأزمة، ولا سيما تلك الاثار النفسية سريعة العدوى بين الأسواق المالية.
واذا كانت التحركات السريعة والواسعة النطاق التي جرت في الايام الاخيرة قد أعادت قدرا كبيرا من الشعور بالهدوء والثقة في تجاوز الأزمة والنجاح في احتواء آثارها في الولايات المتحدة واوروبا وآسيا، فإن هناك بالفعل حاجة ماسة وضرورية بالنسبة لأسواق المال الخليجية والعربية على وجه الخصوص، وهي متابعة اداء الأسواق من جانب الهيئات المسؤولة عن ذلك والعمل على زيادة تحصين الاسواق العربية للحد من تأثرها بالاهتزازات العالمية بشكل سريع من ناحية، والحاجة كذلك الى زيادة وعي المستثمرين، وخاصة شريحة صغار المستثمرين، لادراك طبيعة التغيرات التي تحدث في حركة الأسواق المالية واتخاذ القرارات الصحيحة التي تحافظ على استثماراتهم ومصالحهم وعلى استقرار الاسواق كذلك، خاصة وان هذه الشريحة تزداد اتساعا في مختلف الأسواق المالية العربية. ولعل الأزمة المالية العالمية الراهنة تسهم في ذلك بشكل او بآخر.
