في جردة حساب سنوية مع انتهاء العام (2007) أطلقت الوكالة اليهودية تحذيراتها الجديدة داخل إسرائيل مما أسمته «المخاطر الديمغرافية التي تتربص حياة ومستقبل الدولة العبرية كدولة يهودية»، متناغمة مع ما كانت تردده العديد من المراجع الاستيطانية الصهيونية طوال الأعوام الماضية.
فالمصادر الإسرائيلية الرسمية تؤكد تراجع أرقام الهجرة اليهودية باتجاه فلسطين المحتلة بشكل كبير ولافت، خصوصاً من دول وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، حيث اجتذبت إسرائيل أكثر من مليون وربع المليون يهودي من الدول المشار إليها خلال عقد التسعينات من القرن الماضي.
كما أظهرت المعطيات والأرقام التي نشرتها الوزارة المعنية بشؤون الاستيطان الاستعماري الاجلائي الصهيوني والمسماة بـ «وزارة الاستيعاب» الإسرائيلية أن هجرة اليهود إلى إسرائيل واصلت تراجعها عام (2007) المنصرم عن سابقه، فقد بلغ عدد اليهود الذين قدموا إلى فلسطين المحتلة (19700) شخص، وهو أدنى مستوى له منذ حوالي عشرين سنة مضت.
ومن الطبيعي القول إن انكفاء قوم يهود الاتحاد السوفييتي السابق من أوطانهم الأصلية إلى فلسطين يعود لجملة من الأسباب، من بينها الدور البارز للانتفاضة الفلسطينية، حيث يلعب الاستقرار الأمني دوراً مهما في جذب مزيد من يهود العالم إلى فلسطين.
كذلك على خلفية تحسن أوضاعهم الاقتصادية في بلدانهم الأصلية كما حال دول الاتحاد السوفييتي وروسيا على وجه الخصوص، وعودة الانتعاش الاقتصادي إلى جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، لذا فالفرصة الأفضل أصبحت في نظر أعداد كبيرة من يهود روسيا والدول المذكورة البقاء في وطنهم الأم.
فقد شكلت الهجرة اليهودية الاستيطانية الاستعمارية إلى فلسطين المحتلة خلال العقد الأخير من القرن الماضي وتحديداً منذ العام 1988 من روسيا وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق الحملة الاستيطانية الكبرى في تاريخ إسرائيل.
وهي الحملة التي رفدت الدولة العبرية الصهيونية بأكثر من مليون وربع مليون يهودي باتوا يشكلون الآن ما نسبته (25%) من سكان إسرائيل، ملتحقين بعتاة الصهاينة من بلدانهم الذين غادروا موطنهم الأصلي بدايات القرن الماضي ليشكلوا العمود الفقري لليشوف (المجتمع) اليهودي ما قبل قيام الدولة العبرية على أرض فلسطين.
وهم الذين أصبحوا لاحقاً من الآباء المؤسسين للمشروع الصهيوني على أرض فلسطين (فلاديمير جابوتنسكي، شاؤول تشيرنيهوفسكي، مناحيم يوسيشكين، ناحوم سوكولوف، يتشهوك كاتسينلسون، ديفيد بن غوريون، مناحيم بيغن...) وكانوا كلهم يهوداً ناطقين باللغة الروسية.
لقد كانت الهجرة اليهودية من روسيا إلى فلسطين قد بلغت حدوداً ضيقة بعد وقت قصير من تأسيس دولة إسرائيل وذلك بسبب من معارضة الاتحاد السوفييتي السابق، الذي سمح بهجرة اعداد قليلة منهم فقط بأمل تعزيز التوجهات الشيوعية في الدولة الجديدة المنظمة.
وإضافتها إلى معسكر «الدولة الاشتراكية» في الشرق الأوسط، لكن ونظراً للتأثير الأميركي الذي تنامى مضطرداً في العلاقة مع إسرائيل وتبنيها الكامل فسرعان ما انتهت الهجرة اليهودية من الاتحاد السوفييتي السابق إلى فلسطين.
وفي حقيقة الأمر، فان الهجرة اليهودية من دول الاتحاد السوفيتي إلى فلسطين بقيت ولو بحدود ضيقة نتيجة ضغوط سياسية مختلفة دفعت بالاتحاد السوفييتي بالسماح لعدد من اليهود بالرحيل، وبين عامي 1970 و1980 قام حوالي (130000) منهم بالقدوم إلى إسرائيل.
وبدءاً من ثمانينات القرن الماضي ومع إطلاق ميخائيل غورباتشوف سياسة (الانفتاح) تحول تقاطر المهاجرين اليهود إلى فلسطين إلى سيل مع أكثرية راغبة من اليهود الروس بالانتقال إلى الغرب الأوربي، وبعد العام 1990 أصبح دخول اليهود إلى الولايات المتحدة، كندا، استراليا، وأوروبا الغربية (ما عدا ألمانيا) محدودا أكثر فأكثر ما أعاد وبشكل فعال توجيه النزوح اليهودي الكبير ما بعد الحقبة السوفييتية إلى إسرائيل.
فبالنسبة لمعظم المهاجرين كانت عوامل «الاندفاع» (ما يعني الأزمة السياسية و الاقتصادية في الاتحاد السوفييتي السابق) هي التي هيمنت على المشاعر الصهيونية متحدة مع طريقة حياتهم العلمانية ما أدى لان يكون التكيف مع الدولة اليهودية في وقت لاحق أمراً صعباً.
وبذلك وعلى امتداد التسعينات واجهت إسرائيل سيلاً ضخماً من اليهود الناطقين بالروسية الذين وصل عددهم إلى مليون وربع المليون تقريباً، فزادوا تعداد السكان اليهود على ارض فلسطين التاريخية إلى نحو (20%) مشكلين ما نسبته مع الذين سبقوهم من يهود روسيا ما نسبته (25%) من سكان الدولة العبرية.
والجدير بالذكر أن شكل اندماج موجات هجرة يهود الاتحاد السوفييتي السابق إلى الدولة العبرية الصهيونية صعوبات كبرى لأسباب ثقافية ولغوية وحياتية واقتصادية، فأضافوا مظاهر جديدة لسلسلة الهويات اليهودية الموجودة بالأصل في إسرائيل. وبسبب التدفق البارز والمهم للاختصاصيين الكفوئين اغتنى الاقتصاد الإسرائيلي في قطاعات عدة كالتكنولوجيا العالية، الهندسة، والعلوم التطبيقية.
واغنى المهاجرون الروس التعليم الإسرائيلي (كأساتذة وطلاب) الثقافة (خاصة المسرح) الرياضيات التنافسية (الفوز بعدد من الميداليات الأولمبية) كما جعلوا عدداً من الإسرائيليين يرون بالتنوع الثقافي مسألة ايجابية وتحويلاً فاعلاً بالمجتمع الإسرائيلي إلى مجتمع تعدد الثقافات بحكم الواقع، وهو أمر بات يخشاه غلاة الصهاينة.
وبسبب ضغوط منعكسة عليهم تولدت بسبب صعوبات الاندماج، شعر العدد الأكبر من مهاجري التسعينات بالإقصاء عن المجتمع العبري السائد ووجدوا حلاً لحاجاتهم الاجتماعية والثقافية بإنشاء نظام من المؤسسات الاجتماعية الخاصة بهم (مدارس، مكتبات، نوادي، مسارح، أعمال صغيرة) بالإضافة إلى الإعلام باللغة الروسية (صحف يومية عديدة، قناة تلفزيونية، محطات إذاعية، الخ). ومؤخرا أنشأ الروس مركزا ثقافيا روسيا في تل أبيب.
ومن جانب آخر، فان تراجع الوعود الخلابة أمامهم بمستقبل اقتصادي جيد في إسرائيل، والصعوبات التي باتوا يعنون منها دفع بهم للتمركز في الضواحي الحضرية الأفقر وإلى الانعزال الاجتماعي عن نظرائهم اليهود الإسرائيليين، وأدى ذلك أيضاً وبشكل غير مباشر إلى عدم تشجع كثير من اليهود الروس على تعلم اللغة العبرية بما يتجاوز الحد الأدنى الأساسي والاقتراب أكثر من الثقافة والمجتمع الإسرائيلي.
وعليه، وبسبب التحسن التدريجي للوضع الاقتصادي في روسيا وأوكرانيا منذ منتصف التسعينات فقد أدى ذلك أيضاً إلى تحفيز بعض المهاجرين المثقفين وذوي عقلية الأعمال بالعودة إلى روسيا أو معاودة الهجرة إلى شمال أميركا.
من جانب آخر، تشير معلومات مؤكدة تؤيدها المصادر الإسرائيلية المعنية بالاستيطان الى أن السلطات الروسية لم تتخل بعد حتى عن أولئك الذين غادروها إلى الدولة العبرية، فقد بدا أن هناك خطوات روسية لتشجيع من غادر منهم إلى فلسطين المحتلة للعودة إلى وطنهم في ظل تلقي التحسن المتسارع للأوضاع الاقتصادية هناك.
كما تؤكد المصادر ذاتها، المعلومات التي تقول إن روسيا أقامت في تل أبيب مكاتب يعمل فيها مندوبون رسميون للحكومة الروسية لأجل هذا الغرض. ويدفع بوتين منذ سنتين إلى الأمام خطة لتشجيع عودة مواطنين روس هاجروا إلى الغرب بشكل عام باعتبار أن غالبيتهم كفاءات مهنية وعلمية على جودة عالية.
كاتب فلسطيني - دمشق bdwan60@aloola.sy