صحيح أن سياسة المحافظين الجمهوريين الجدد بإدارة بوش قادت الولايات المتحدة إلى الأسوأ سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، وحولتها بفضل سياساتها الاستعلائية الاستعمارية الحمقاء من الهيبة السياسية إلى الخيبة، ومن الإرهاب العسكري للدول إلى الخوف من الإرهاب الفردي، ومن الازدهار الاقتصادي إلى الأزمة، ومن الأزمة إلى الكارثة التي تغرق فيها اليوم حتى سيطر على عموم الأميركيين الخوف والقلق بعدما أصبحوا بلا رؤية واضحة لما سيأتي به الغد فتطلعوا إلى التغيير.
ما دفع بهذه السياسة إلى هذا الواقع المرير المثير للرثاء، هو في الأساس غنى مادي وإفلاس أخلاقي بغلبة المصالح المادية على المبادئ الإنسانية، بما دفع إلى الطمع والجشع اقتصادياً لجني الأرباح المادية، ببراجماتية ميكيافيلية حيث الغاية تبرر الوسيلة، فصنعت ازدهارها الزائف بثروات غيرها حتى أصبحت أكبر دولة مدينة بينما بدت أكبر دولة مزدهرة..
والطمع والجشع اقتصاديا مع غياب الروادع الأخلاقية لا بد أن يؤدي إلى الظلم والغباء سياسياً، ففرضت على العالم وصفاتها الفاشلة ومشاريعها الامبراطورية باسم العولمة، وشنت حروبها النفطية والاستباقية بلافتات تنكرية ضد أهداف افتراضية، تارة باسم الديمقراطية وأخرى باسم المنظمات الإرهابية، فتورطت فغرقت في أزماتها الاقتصادية وورطته معها بتحمل آثارها الكارثية الحالية..
ولأن فائض القوة العسكرية وغياب الموانع الأخلاقية والحكمة العقلية والمسؤولية الإنسانية، يؤدي إلى جنون القوة والاستقواء عسكرياً، كانت سياسة الحلول العسكرية للمشاكل السياسية، والمغامرات الحربية الفاشلة، وشن الحروب العدوانية الظالمة.
كما فعلت في أفغانستان والعراق والصومال ولبنان، وأخيرا بتهديدها لأمن وسيادة سوريا وإيران والسودان وباكستان، هي السمة التي جلبت لها الازدراء والكراهية الشعبية، وأوقعتها في الأزمات المالية والاقتصادية، حيث «الطمع في البداية لا بد أن يقل ما جمع في النهاية»!
وما وصلت إليه سياسات الإدارة الجمهورية البوشية من إفلاس سياسي واقتصادي وعسكري، والأهم أخلاقي، لا حلول له إلا بالتغيير الحقيقي والجذري في الأفكار وفي السياسات، وليس كما يبشر أوباما غالبا أو ماكين أحيانا بالتغيير الشكلي والجزئي والانتقائي في التوجهات والأزمات، وبالرغم من أن أوباما الديمقراطي كان الأذكى والأسبق من ماكين الجمهوري في استثمار الرغبة العالية في التغيير لدى الشعب الأميركي ولدى شعوب العالم..
إلا أننا حتى بعد المناظرة الثانية لكلا المرشحين، نجد أن الأمل في التغيير المطلوب من أوباما يظل جزئياً وانتقائياً وملتبساً وإن نبعت سياساته من دوافع مبدئية وإنسانية، وحتى وإن بدا ميله للحلول السياسية لا العسكرية أوسع أفقا من ماكين، الذي تنبع سياساته من حسابات مصلحية، وتحركه أوهام القوة العسكرية بسبب العقدة الفيتنامية، والرغبة في تجاوز الهزيمة الأميركية بالنزعة الثأرية ضد كل المقاومين، بما لا يحملنا على الوهم بالتغيير الحقيقي من هذين المرشحين، خصوصا في قضايانا العربية والإسلامية..
فلقد بدا واضحا أن كلا المرشحين يتسابقان في المزايدة الانتخابية «دعما وحبا» لإسرائيل على حساب العرب والفلسطينيين، وإصرارا على الحلول العسكرية للورطة الأفغانية، وهو ما لم تستطع أميركا و«الناتو» كله تحقيقه على مدى سبع سنوات في مواجهة «طالبان»، مما اضطرهم أخيرا إلى المفاوضات السياسية مع «الإرهابيين»!!
بل تورط أوباما السياسي، وليس ماكين الحربي، في التهديد بنقل الحرب من العراق إلى أفغانستان، والأغرب إلى باكستان.. لكنه نسى أن يحسب مصادر تمويل حربه المقبلة في ظل الكارثة المالية الأميركية! فهل «يخرج من حفرة ليسقط في هوة»؟!.