تستيقظ أسواق العالم يوماً بعد آخر على صدمة جديدة، بسبب تداعيات الأزمة المالية العالمية، التي بدأت تنتشر وبسرعة لتدك معها معظم الحصون الاقتصادية المنيعة. وبعد أن هدأت عاصفة الانهيار أول من أمس الخميس عادت لتجتاح البورصات الآسيوية، بلا استثناء، لتسجل هذه المرة تراجعات لم تشهدها منذ أكثر من عشرين عاماً.
والواقع أن العالم بدأ يعيش ثقافة جديدة ربما تحدث تغييراً في النظام الاقتصادي بمجمله، فرعاة الرأسمالية المطلقة باتوا يتحدثون عن خلل واضح في توجهاتهم وأسسهم، الأمر الذي يطرح سؤالاً معمماً حول ما إذا كنا نعيش واقعاً جديداً بالفعل، أم أن الأزمة لا تعدو أن تكون مشكلة عابرة أوجدتها مؤسسات مالية مترهلة وسياسات خاطئة تحتاج إلى تصحيح عاجل، حتى لا تتسع دائرة الضحايا.
وتشير كل المعطيات إلى الحاجة إلى تغيير جذري على مستوى النظام الاقتصادي العالمي، بالشكل الذي يؤدي إلى الخروج برؤية موضوعية تتجاوز سلبيات الماضي، وتقود إلى إيجاد بيئة مالية ومصرفية خالية من الزج بالمستهلك في دهاليز مظلمة، قد تقضي على طموحاته المستقبلية.
لقد عاش العالم طوال السنوات العشر الماضية ثقافة الاستهلاك غير المقيد، ووقع فريسة للإغراءات الترويجية التي تقوم بها المؤسسات المصرفية والمالية، وبمختلف الطرق وبفلسفة (الغاية تبرر الوسيلة) ليجد نفسه مثقلاً بديون تسلمها على (ملعقة من ذهب) وبدأ يسترجعها حائراً بين مجابهة متطلبات الحياة اليومية التي أوقدت شرارتها الارتفاعات المتلاحقة في أسعار السلع الأساسية ومستويات التضخم العالمية.
وتورد لنا وكالات الأنباء على مدار الساعة قصصاً مأساوية عن البعد النفسي والاجتماعي المحيط بشريحتين، وجدت الأولى نفسها فريسة لثقافة التكالب على الربح السريع، فدخلت في مضاربات الأسهم من دون وعي بالنتائج التي قد تترتب جراء الاستثمار في أوعية غير مضمونة.
أما الثانية فسقطت في فخ الاصطدام بحائط القروض الاستهلاكية الذي لا يستطيع أحد أن يتخطاه ليصل إلى بر الأمان. وتستقبل البنوك عملاءها بالترحيب وتكرمهم أيّما كرم، وتحصل على توقيعهم الثمين على عقد القرض أو البطاقة الائتمانية من دون أن تفصل لهم محتوياته المجحفة.
هذا الواقع الذي يفرض نفسه يؤكد من جديد ضرورة المعالجة الشاملة وعلى أعلى المستويات في مركز صنع القرار لإنقاذ الاقتصاد العالمي، كما يشدد على ضرورة اتباع سياسات حذرة ودقيقة في المرحلة المقبلة وصولاً إلى بر الأمان.
