فشلت الاشتراكية الماركسية بسبب نظامها القمعي، وامتلاك كل مقومات الاقتصاد بيد الدولة حتى تحين رحلة التطبيق الشيوعي الكامل، وهو نظام أقرب "لليوتوبيا" منه إلى الواقع المعاش..

وانهارت الرأسمالية، لأمراضها المستوطنة عندما ضاعفت دخول الكبار وتحطيم البنى التحتية للصغار، وحملت حلم الديموقراطية وفرضها بواسطة البندقية والرشاش والوعد الإلهي، وثبت أن تعهد قوة عظمى واحدة بمقدرات العالم كان خطأ أو كارثة، وقد جاء النداء من قبل القلاع الرأسمالية بإعادة هيكلة النظام الاقتصادي العالمي متأخراً، ولعل التحرّك في محاولة معالجة الجروح الصغيرة وترك الوباء الأكبر، هو مجرد تطمينات وليس حلولاً، وهذا الرأي يحمله فلاسفة ومخططون ماليون هم نخبة العاملين في المراكز الاستشارية، ويقولون بفشل هذه المساعي لأن الكارثة أكبر وأعمق من أن تعالج بالصدمات الصغيرة..

وبالقياس إلى الاقتصاديات العربية مع الأميركية، والأوروبية والآسيوية فإنها تبقى صغيرة تطغى عليها عوائد النفط والاستثمار العقاري وبعض الصناعات الزراعية ومنتجاتها، والبتروكيماويات، وهي ليست فاعلة في السوق العالمي مثل دول صغيرة كتايوان وسنغافورة وغيرهما، وحتى إدارة هذه الاقتصاديات على ضآلتها، ليست بمستوى الخطط العملية التي قادت آسيا لاحتلال منصب متطور ومتقدم، بالرغم من أن مساحة وإمكانات المنطقة العربية تفوقان تلك الدول، ويبقى الإنسان هو سرّ التناغم بين الإنتاجية، والانضباط والتدريب المستمر على شغل كل الوظائف والإبداع في تطويرها..

فالدول ذات العائد الزراعي، والاكتفاء الذاتي تحولت إلى مستوردة، وبسبب التأميم بذرائع الإقطاع والرأسمالية تدهورت الحالة الاقتصادية وضاعفتها الأنظمة القمعية والفساد، ولم يعد حلم نشوء وعي بحتمية التعاون وفتح الأبواب لاقتصاد عربي متطور أمراً ممكناً، وإذا كنا نعرف أن دول مجلس التعاون، وهي ميلاد صغير بالنسبة للجامعة العربية لم تستطع أن تتجاوز عقدها الكيانية وتجعل اتفاقات كهذه نافذة وفقاً لضغط الحاجة وتناغماً مع وحدات اقتصادية أوروبية مثلاً، وبالتالي فعلى المستوى العربي لا نجد خططاً واضحة يمكن مع السنين والأيام أن تكتسب مشروعيةً مثلُ هذه الخطط..

الآن والانهيار في النظام المالي العربي يدخل منطقة مظلمة كصدى للانهيارات العالمية، لا نجد وزراء المالية، والبنوك المركزية ومؤسسات النقد يدعون لاجتماع موحّد ينظر للمشكلة بعيون عربية، وهذا شأن الأحوال السياسية والأمنية عندما يجرى تصرّف كل دولة بذاتها، ولعل المفاجأة قادت إلى هذا الهلع، ومع ذلك هناك صمت عام من قبل البنوك والمؤسسات عن مستوى خسائرها وكيف تواجه الأزمة بمنطق المباشرة بالحلول حتى لو كانت صعبة، وهذا يكشف عن مدى ضعف البنى الأساسية، وعدم وجود احتياطات للمخاطر، وقراءة صحيحة لما سيحدث، وهي حالةُ كشف خطيرة أننا مجرد اقتصاديات هامشية أمام أي حدث كهذا..