لا يصادفك صديق هذه الأيام إلا وأثار معك شؤون أسواق المال بل في واقع الأمر شجونها، ولا تدخل ديوانية من دواوين الكويت إلا وانبرى حديث البورصة ليغطي جميع الأحاديث والاهتمامات.
وفي هذه الأزمة العاصفة أصبح المحللون كثر، فهم يتوزعون بين أولئك المتخصصين في تحليل أسواق الأوراق المالية وغيرها من الشؤون الاقتصادية، مروراً بأصحاب الثقافة العامة، إلى عامة الناس الذين لا يمتلكون إلا «نظرية المؤامرة» بأبسط صورها الشعبية لتفسير الانهيارات التي تحدث أمام أعينهم ومن جرائها تتبخر أصولهم وتفقد قيمتها!!
وثمة عدد هائل من أفراد مجتمعنا الكويتي (بل وربما الخليجي) هم منخرطون بشكل أو بآخر في عمليات البورصة المالية، أو هم من حملة الأسهم بالذات تلك التي امتلكوها عبر الاكتتابات التي مرت علينا في السنوات الأخيرة وكان آخرها الاكتتاب في شركة الاتصالات الثالثة والتي ساهم فيها أكثر من 90% من الشعب الكويتي. وبالتالي، فما يحدث في أسواق المال العالمية وانعكاساتها الحادة على بورصتنا في الكويت وفي عموم المنطقة له أكبر الأثر على قطاع كبير من هؤلاء.
ومن الجلي أن الحقنة التي أخذتها أسواق المال العالمية بعد إقرار الكونغرس الأميركي لقانون دعم السوق لم تكن كافية لطمأنة النفوس القلقة رغم أن جرعتها كانت عالية، فقد خصص المشرعون الأميركان ما طلبه الرئيس بوش وهو 700 مليار دولار لإنقاذ سوق المال الأميركية وانتشالها من الغرق في فوضى إفلاس شركات مهمة في قطاعي المال والعقار.
ولم تقتنع أسواق المال الأخرى بالذات الآسيوية والأوروبية بإجراءات الكونغرس، إذ يعتقد صانعو السوق في تلك الدول أن بذور الأزمة مازالت قائمة وأن تداعياتها ستستمر إلى فترة، خاصة وأن عملية الإنقاذ تلك لم تَطل أسباب الأزمة والممارسات التجارية الخاطئة التي أدت إليها بقدر تركيزها على تثبيت وتدعيم الوضع القائم وعدم تركه ينهار!!
وجاء تصويت مجلس النواب الأميركي الأول بعكس توقعات المراقبين، إذ قررت غالبية أعضائه من الحزبين - وهذا هو اللافت - على رفض مشروع بوش على اعتبار أنه يستخدم المال العام، وهو مال دافعي الضرائب الأميركان لإنقاذ مؤسسات خاصة تعرضت للخسارة، وهو أمر عادي وطبيعي في ظل النظام الحر القائم على المشروع الخاص والمبادرة الفردية.
ولم يكن ذلك الرفض وليد قناعات نظرية خالصة، بل امتزج مع قرب موعد الانتخابات النصفية لمجلس النواب التي تجرى كل سنتين وتترافق هذه المرة مع الانتخابات الرئاسية!! وقد بعث ذلك الرفض موجة من التشاؤم عكستها أسواق المال بنزول حاد في مؤشراتها!! واستشعر المرشحان للرئاسة خطورة الوضع، فحضرا شخصياً جلسة مجلس الشيوخ، الذي وافق على المقترح ليهيئ المجال لموافقة مجلس النواب في مداولته الثانية!!
ثمة تحرك من جميع الدول المتقدمة في أوروبا الغربية وآسيا لاحتواء الأزمة، التي تعتبر الأخطر منذ يوم الاثنين الأسود في العام 1929 حينما انهارت بورصة نيويورك لترتفع بعدها الأصوات منادية بدور للدولة في العملية الاقتصادية عكستها النظرية الكنزية، وبضوابط تحدد نشاطات الأفراد والشركات، ولتبدأ بالتشكل معالم «دولة الرفاه» في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا.
حيث أخذت الدولة على عاتقها توفير الخدمات شبه المجانية لمواطنيها، في ظل موجة عاتية داعية إلى التحول نحو الاشتراكية. ثم تخففت تلك الضوابط مع صعود اليمين الليبرالي أيام ريغان وتاتشر في ثمانينات القرن الماضي خاصة حينما استشعر النظام في الغرب بأن لا تهديد جدياً قائماً ضده بضعف النظم الاشتراكية ومن ثم سقوطها.
ومع إيماننا بارتباط الأسواق بعضها ببعض، إلا أن تأثير ما يجري في العالم على أسواقنا - كما يقول معظم المحللين - هو تأثير نفسي، إذ رغم تطمينات المسؤولين في الكويت ودول الخليج العربي على متانة اقتصاداتها وبعدها عن أزمة أسواق المال العالمية، إلا أن ذلك لم يجد نفعاً في إدخال الطمأنينة إلى النفوس بالذات لأولئك الذين يديرون محافظ مالية كبيرة.
حيث يقوم هؤلاء بالبيع بالحد الأدنى للسعر، وكأنهم يريدون التخلص بأي وسيلة من أسهمهم خوفاً من هبوطها أكثر، وبالتالي فهم يجرون معهم السوق إلى أسفل لينجرف معهم صغار المستثمرين الذين تكون بالنسبة لهم الخسائر أكثر إيلاماً وقد تمس حياتهم الشخصية مباشرة.
نتمنى أن نخرج من هذه الأزمة بأقل الخسائر الممكنة وأن نتعلم منها الدروس ونستخرج منها العبر، إذ بات التعامل مع الأسهم الشغل الشاغل لكثير من أبناء شعبنا.
كاتب كويتي : alyusefi@hotmail.com
