للكاتبة الفرنسية الراحلة مرغريت يورسنار، التي كانت أول امرأة تصبح في عداد «الخالدين» كما يطلقون على أعضاء الأكاديمية الفرنسية، رواية تحمل عنوان «الزمن المستقطع».
هذه الترجمة قد لا تكون دقيقة ـ أعترف أنني لم أستطع التوصل إلى ما اعتبره ترجمة وافية وشافية للعنوان رغم التفكير والسؤال مرّات ومرّات منذ سنوات طويلة ـ ولذلك يستوجب توضيح مدلوله حيث تقصد فيه المؤلفة حالة فقدان الأشياء لصفاتها الأولى دون اكتسابها لصفاتها الجديدة. وهذا هو بالدقة التوصيف الذي ينطبق على العالم اليوم وهو يواجه الأزمة المالية الكبرى الراهنة.
لا أحد يستطيع أن يقول اليوم بالتحديد إلى أين تتجه المنظومة المالية العالمية وكيف ستتم ترجمة نتائجها على مختلف المناطق والبلدان، فكل يوم هناك جديد أو (مفاجأة). عشرات المقالات والتحليلات والندوات تزخر بها وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة والمسموعة كل يوم حول الأزمة المالية التي تعصف بأميركا اليوم وعبرها بالعالم كلّه.
العالم كلّه يطرح السؤال عن كيفية مواجهة الأزمة ؛ والأوروبيون يطرحون على أنفسهم نفس السؤال. وفي منظور تقديم إجابة اجتمع قادة البلدان الأوروبية الرئيسية الأربعة، فرنسا وانجلترا وألمانيا وإيطاليا ، في باريس بدعوة من الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي باعتبار أن فرنسا تترأس الدورة الحالية للاتحاد الأوروبي وحتى نهاية هذه السنة. ما بحثوا فيه هو كيفية الوصول إلى خطة أوروبية موحّدة لمواجهة الأزمة.
اختلفت الآراء حول إعطاء الأولوية لـ «الحلول الجماعية» أو لـ «الحلول الوطنية»، وحول كيفية تطبيق القرارات المتخذّة وحول مصير «ميثاق الاستقرار الأوروبي» الذي جرى تبنّيه عام 1997من قبل بلدان الاتحاد الأوروبي. وكان سؤال «الأسئلة» هو معرفة إلى أي مدى سوف يصمد الموقف الموحّد «المعلن» لأوروبا؟.
من الواضح تباين تصريحات المسئولين الأوروبيين التي وصل بعضها إلى حد القول صراحة، إن لم يكن «شماتة»، أن الولايات المتحدة «لم تعد القوّة التي يحق لها فرض هيمنتها على العالم» حسب تصريح لوزير المالية الألماني. وتصريحات كثيرة أيضا في مختلف الصحف والدوريات الأوروبية ،وكلّها تذهب في نفس اتجاه تأكيد أن أميركا لم تعد «مركز» العالم والآخرين هم «محيطه».
وذهب البعض إلى حد شجب «الكذّابين» الذين فرضوا «إيديولوجية ذات اتجاه واحد» و«الانتهازيين» الذين كدّسوا أرباحا خرافية. وأطلق بعض المحللين الأوروبيين العنان لنقدهم دون حساب و«أطلقوا سهامهم» ضد «الرأسمالية المالية العشوائية الجانحة» التي قادتها الولايات المتحدة باسم «عولمة سعيدة»، بشّرت بها.
وذهب أولئك الذين ينتمون ،بشكل ما، إلى معسكر اليسار في أوروبا إلى حد شجب «الإرهاب الفكري» الذي مارسه أنصار «اقتصاد السوق» والمستفيدون منه على كل من يسمح لنفسه برأي مخالف لمصالحهم... فتهمة «العداء لأميركا» كانت بالمرصاد. ولم يتردد العديد في الإفصاح عن «حنينهم» إلى زمن اليسار وهم يرقبون أمامهم انهيار «رأسمالية السوق».
وحتى على صعيد معسكر اليمين ،هناك تبدّل واضح في «اللهجة» حيال الشريك الأميركي. والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي نفسه الذي لم تكن تزعجه صفة «نيكولا الأميركي» إلى درجة أنه بدا للكثيرين وكأنه يرغب «أمركة المجتمع الفرنسي» يتبنّى اليوم خطابا يطالب بتعزيز سلطة الدولة في مواجهة «شطط القائمين على الأسواق». ولم يتردد في تذكير مدراء المصارف الفرنسية الكبرى الذين استدعاهم للقاء به قبل أيام قائلا: لا تنسوا أن مهمتكم الأولى هي تمويل الاقتصاد الحقيقي.
وتكررت الاتهامات على لسان الجميع أن السلطات السياسية الأميركية، الجمهورية منها والديمقراطية' قد تركت ثروات طائلة تتكدّس بين يدي حفنة من «المضاربين» والمصرفيين. الأمثلة المضروبة على ذلك لا تعدّ ولا تحصى. مثال واحد يكفي فالمدعو «الان فيتشمان» حصل على أكثر من 13 مليون دولار كتعويض لقاء بقائه 18 يوما، نعم 18 يوما، رئيسا لبنك «واشنطن موتيال». هذا في ظل «الرأسمالية المالية» التي وصفها الفيلسوف «برنار ستيغل» بالقول أنها «تولّد أنماط سلوك غير مسئولة وتجلب اقتصادا مخرّبا ويدمّر العالم».
هذا وفي الوقت الذي كان فيه البرلمانيون الأميركيون والحكومة الأميركية يناقشون خطة الإنقاذ المالي، كانت مؤسسات وبنوك استثمارية أميركية عديدة «تعرض خدماتها» من أجل «إدارة» الأموال التي سيتمّ صبّها. والهدف الواضح هو الحصول على عمولات ومكاسب وكأن شيئا لم يكن، وكأنه لم تكن هناك أزمة ولا من يحزنون.
هذا ما أفصحت عنه عدّة صحف أميركية كبرى. وهذا ما ارتفعت أصوات أوروبية للتحذير منه مطالبة بـ «ضبط الحرامي» قبل أن يقوم بعمليات سرقة ونهب جديدة. ولم تكن أيضا قليلة هي الأصوات الأميركية التي أصدرت تحذيرات مشابهة. مايكل مور، السينمائي المعروف، قال ما مفاده: إن تغذية خزائن البنوك لا ترمي سوى إلى حماية الثروات الكبرى المتكدّسة وتعزيز سلطة حفنة من أصحاب شركة أميركا المساهمة (...) بينما يكافح السواد الأعظم من الأميركيين لتأمين ضروريات العيش.
بالتوازي كان 83 بالمائة من الأميركيين قد أعربوا ، حسب استطلاع للرأي مؤخرا ، عن خوفهم من الأزمة المالية الراهنة أكثر من خوفهم من «هجوم إرهابي». وهذا يتوازى مع هبوط مؤشرات «وول ستريت» بعد اندلاع الأزمة المالية بمقدار هبوطها بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001. باختصار كل المؤشرات تدل على تعاظم القلق في الولايات المتحدة ففترة «اقتصاد الفرح» الذي روّجت له العولمة قد انتهت.
وانتقل هذا القلق «بالعدوى» إلى لأوروبا أوّلا وأساسا حيث يسود الاعتقاد أن ال700 مليار التي حصلت الحكومة الأميركية على موافقة الكونغرس على «ضخّها» لمساعدة البنوك والمجموعات المالية «المنحدرة» نحو الهاوية لن تنقذ الوضع. ذلك أنها تكتفي بمعالجة الأعراض بينما المطلوب هو التصدّي للأسباب التي أثارتها.
بكل الحالات من الصعب القول أن عاصفة الأزمة المالية قد ابتعدت عن الشواطئ الأوروبية. لذلك يبحث الأوروبيون ،عبر قمة باريس وغيرها من لقاءات على مختلف المستويات ، عن «طوق نجاة» يؤمّن سبل المحافظة على التوازن أمام رياح الأزمة المالية العاتية في هذه المرحلة الانتقالية. وهم على قناعة أنهم أمام «عالم ينهار» حسب تعبير لرئيس الوزراء الفرنسي. وعلى قناعة أن «عالما آخر» هو بصدد التكوّن. ولكن ما هو؟!.وما هو الموقع الذي سوف تحتلّه أوروبا فيه؟!
كاتب سوري