أمران باتا غير قابلين للمجادلة فيهما، على صعيد الأزمة المالية الراهنة: الأول أنها لا تزال تكبر، مع تداعياتها، ككرة الثلج المتدحرجة. والثاني أن كافة الخطوات والإجراءات التي تمّ اتخاذها، حتى الآن، كانت غير كافية لوقف النزف.
والحصيلة، بعد حوالي أسبوعين من انفجار الفقّاعة - القنبلة، أن الخسائر، أخذت تهدّد القريب والبعيد؛ من مركز الحريق. وما عزّز الهلع، أن فرق الاطفائية؛ المعنية بإخماد النار - وهي التي كانت قد أضرمتها، بكل حال، تبدو مرتبكة وعشوائية، في استخدام خراطيم المياه. بعد السقوط المدوّي لكبريات المؤسسات المالية الأميركية، استبدّ الخوف بالجميع.
بالمستثمر والمودع والمصرف والأسواق، كما بالدول. تدهور غير مسبوق، بحجمه وأبعاده، منذ الانهيار الكبير، في الولايات المتحدة؛ أوائل الثلاثينيات من القرن الماضي. التعامل الملتوي والعشوائي مع الأزمة، في البداية، ترك الانطباع بأن وراء الأكمة ما وراءها.
تفاقم ذلك مع تواتر الانهيارات، التي راحت تتهاوى كأحجار الدومينو؛ وكذلك مع غياب الدقّة في التشخيص والشفافية في المعالجة. بدا وكأن المكاشفة مفقودة، عمداً.
شيوع الخوف من المجهول، كان نتيجة طبيعية لذلك. ففي هكذا مناخ تبخّرت الثقة. حتى بين المصارف بما زاد من انسداد قنوات الإقراض؛ التي تعتبر شريان الدم للنظام المالي؛ واستطراداً للحياة الاقتصادية. قاد ذلك إلى تنامي موجة الانكفاء على الذات، بحسبان أن كل جهة - مؤسسة أو مصرف أو دولة - عليها أن تتكفل بحماية نفسها. تلاشي التعاون، في ظل مثل هذا التوجس والانكفاء، كان عملية تحصيل حاصل.
وربما هنا يكمن تفسير العجز، حتى اللحظة، عن تلمّس المدخل السليم للخروج من الدوّامة المخيفة. فالأزمة صارت عالمية. تمدّدت كالوباء. الانكسارات ومحاولات التعويم، غير المجدية، وحالات الهبوط المريع في البورصات؛ كلها تتوالى على غير انقطاع.
واشنطن التي تسببت بهذا الكسر وبهذه النزيف العالمي، لا تقوى على التصحيح. خصّصت 700 مليار دولار للدعم. لكن من دون جدوى. الأمور تفاقمت زيادة. المسألة أبعد من مبلغ أو رقم. هي مسألة ثقة. نظام، ما عاد يؤتمن لمن كسره وكان أصل البليّة؛ بأن يتولى لوحده ترميمه.
أو بأن يحصل الترميم، تحت إشرافه. كافة المحاولات، خاصة الأميركية والأوروبية، تقول في ضوء فشلها؛ بأن هناك حاجة لصيغة أخرى جديدة.غداً الجمعة، يلتقي في واشنطن، وزراء المال وحكّام المصارف المركزية؛ لدول مجموعة السبع، في اجتماعهم الدوري السنوي. من المطروح، التداول في إمكانية عقد قمة مالية لهم، وبمشاركة الرئيس الروسي والرئيس الأميركي المنتخب.
طالما أن الأزمة صارت دولية، فلماذا لا تكون القمة دولية، هي الأخرى؛ وبإشراف الأمم المتحدة؟ الهيمنة المالية الأميركية، كانت كلفتها باهظة. ومن حق هذا العالم، المكتوي بأزمة غيره، المشاركة في المعالجة.
*
