ينقسم نوابنا الأفاضل إلى عدة أقسام، فمجموعة منهم قد عرفنا بعضهم عن قرب ونعرف لذلك قدراتهم وإمكانياتهم الفكرية والعقلية، كما اننا نعرف عن بعضهم الآخر، من الذين كانوا يطلون علينا في المناسبات من خلال الوسائط الإعلامية المختلفة، أو اننا نسمع عنهم، لكن لا كل ما يسمع عن المرء صحيح، رغم شيوع ثقافة السماع في مجتمعاتنا العربية، وهي ثقافة تبنى عليها القرارات المصيرية وتقام وفقها السياسات.

أما الصنف الثالث من نوابنا فهم تلك المجموعة التي لم نكن نعرفهم أو نعرف عنهم حتى قرروا، أو بالأحرى قررت تنظيماتهم السياسية أن يمثلونا، أو يمثلون تنظيماتهم، في مجلس الشعب!!. فتنظيماتهم التي امتلكت المال والشارع والمنبر، هي من قرر إيصالهم جميعا للمقاعد النيابية.

ورغم أن البعض منهم لم يكن يملك المال أو أن يحيط نفسه بالجاه والقوة، إلا أن وصوله لكرسي النيابة قد مكنه من الوصول إلى مصادر القوة.

ونوابنا الذين باتوا يمثلوننا، لا نراهم إلا في المواسم والمناسبات، فنحن لا نعرف ماذا يعملون لنا أو بالأحرى ماذا يفعلون «لرفعتنا»، ولم اسمع من نوابنا أو كتلنا البرلمانية إلا عن كتلة واحدة منهم قد اجتمعت بناخبيها، وكان حضورها في هذه الاجتماعات نقدا لاذعا بل قرصا مبرحا.

أما الكتل الأخرى أو ممثلوها فقد اكتفوا بأن يطلوا على ناخبيهم من خلال صورهم في الصحافة والتلفاز، وذكرني بعضهم بقصة النائب مرجان أحمد مرجان في فيلمه الموسوم باسمه الذي أنصح نوابنا أن يشاهدوه ففيه من العبر الكثير كما أن بعضا ممن يدخلون في عالم السياسة ويمثلون الشعب في المنطقة العربية لا يختلفون كثيرا عن شخصية مرجان أحمد مرجان من حيث المركب الشخصي والثقافي ولربما الأفق السياسي.

ولكونهم ممثلين للأمة فإنهم في هذا يطالعوننا من خلال الصحافة والتلفاز بمناقشاتهم «النيرة» أو في صراعاتهم التي هي أشبه «بصراع.....» والتي لم نجن من بعضها إلا تدميرا لنسيجنا الاجتماعي. وغرام بعضهم بأن يرى صوره في التلفاز قد دفعته لأن يتبنى مقترح أن تكون هناك قناة خاصة بهم تبث نقاشات بعضهم «البناءة». ويجزم جاري بأنها لن تُشاهد إلا من قبل نفر قليل منهم.

ولكوننا نعز على نوابنا الأفاضل، وهم يعزون علينا فهم في هذا قد قرروا أن يُطالعوننا في كل مناسبة سعيدة.. ينشرون يافطاتهم الكبيرة والصغيرة على مفترق الشوارع والدورات وعلى جدران بعض المدارس والبيوت وعند كل زاوية و«عاير» يباركون لنا المناسبة الكريمة.

وقد طل علينا نوابنا وممثلونا في المجالس المحلية في الشهر المنصرم ثلاث إطلالات عزيزة، بعضهم كان في كل إطلالة يغير صورته الشخصية وبعضهم الآخر نسى أن يفعل ذلك، إلا أنهم في كل صورهم لم ينسوا «صبغة» اللحية والشارب، وإن جاءت لحى بعضهم «كريهة» غير مهذبة.

ولم ينس بعضهم أيضا أن يكون في صورته مبتسما ابتسامته العريضة أو الصفراء وأن تكون عيونه ناعسة ذات «الإيحاءات المتعددة»!! وهم، أي نوابنا الأفاضل، في إطلالتهم الثلاثية خلال الشهر المنصرم، قد باركوا لنا أولا: بالشهر الفضيل، ثم بعد ذلك بأسبوع قد غيروا مضمون يافطاتهم الإعلانية ليباركوا لأبنائنا الطلبة بالعام الجديد. وخلال الأسبوع المنصرم باركت لنا إعلاناتهم بالعيد السعيد.

وقد شاهد بعضنا خلال ليالي هذا الشهر الفضيل نشاطهم الكثيف في المجالس الرمضانية وفي إكثارهم من الصلوات، بل إن بعضهم قد أقام لنفسه مجلسا، كيف لا وقد أصبح من أصحاب الجاه والسلطة. وقد قال لي جاري بأن مجالس بعضهم كانت «تَكرِشْ» أي غاوية إلا من نفر منهم.

ولذلك قرر بعضهم أن يتواصل مع الناس من خلال تقديمه «إفطار صائم» في بعض مساجد دائرته الانتخابية ولكن مع التأكيد للمفطرين والمصلين بأنها من الجيب الشخصي لسعادة النائب!!.

وبعضهم الآخر قرر أن يدخل في لعبة «التنطط»، فأصبح متنقلا بين المساجد مؤديا للصلوات الخمس وصلاة التراويح، غير ناسٍ أن يكون في الصفوف الأمامية للمصلين، وأن يقوم ببعض «الحركات» حتى يثير الانتباه لوجوده..

وسَرَّ إلي جاريَّ بأنه قد ألتقي بأحدهم في احدى صلوات التراويح فشبه له، أنه واحد من عامة الناس بلباس «كاشخ» فلما سر إليه بذلك «اشتاط» غضبا وتغيرت ألوانه قائلا أنا النائب «....».. فهو النائب الذي مازال يطل علينا كثيرا فمن لم يعرفه من خلال الوسائط الصحافية والتلفزيونية فقد عرفه من خلال إعلاناته الكثيرة التي غصت بها الدوارات والأماكن العامة.

ولم ينس أربعة من نوابنا الكرام من بينهم اثنان من المجالس المحلية أن يضعوا صورهم في إعلان لاحدى المسابقات الثقافية لأحد الوجهاء في احدى ضواحي العاصمة، فهي فرصة لا تفوت لمن أراد أن يرى نشاطهم «التشريعي والخدماتي».

وقد شهد هذا العام والأعوام القليلة الماضية مزاحمة لبعض أعضاء مجالسنا المحلية لنوابنا الأفاضل. فهم كما يبدو قد قرروا أن يسلكوا ذات الطريق أو أن يعدوا أنفسهم لمعترك الانتخابات النيابية القادمة.

وهم في هذا قد قرروا أن يدخلوا مبكرا في معترك «المنافسة الإعلانية» حتى أن لوحات بعضهم الإعلانية قد جاءت أكبر من لوحات رئيس «التنظيم» وهي في ذلك اكبر من «شيخها».

وفي الختام فإننا في الوقت الذي نبادل أخواننا النواب وأعضاء مجالسنا المحلية التهاني بل نزف إليهم التبريكات بالعيد السعيد، فإننا نتمنى عليهم أن يكون دورهم في هذا الفصل التشريعي أكبر وأسمن من إعلاناتهم التجارية، وأن يخففوا من صورهم وإعلاناتهم في الأماكن العامة.

وأن نقول لهم بأنهم في هذا المجلس ممثلون لكل الشعب لا ممثلين لتنظيماتهم السياسية أو جماعاتهم الطائفية وأن العمل النيابي هو ذلك الذي يتم داخل لجان المجلس وليس على المنابر وصفحات الجرائد وفي الإعلانات، كما وددنا أن نذكرهم إن مغانمهم هي لله والناس والوطن لا لأنفسهم أو لتنظيماتهم أو لطوائفهم.. والله من وراء القصد.

كاتب بحريني

drbaqer@gmail.com