تعتبر جنوب إفريقيا من أنجح الدول في القارة السمراء، باقتصادها القوي وبدورها الفعال والريادي في المجال السياسي والاقتصادي، والمساهمة في حركة التنمية المستدامة وحل النزاعات بين الدول الشقيقة والصديقة (كينيا، زيمبابوي، دارفور)، كما أنها عضو فعال في العديد من المنظمات الجهوية والإقليمية، وعلى رأسها الشراكة الجديدة من أجل تنمية إفريقيا (النيباد).

كما تنعم جنوب إفريقيا بدستور متزن ومتكامل، وبمؤسسات قوية وبنظام قضائي نزيه وببرلمان قوي وفعال. لكن التطورات الأخيرة التي كشفت عن الصراعات الموجودة داخل الحزب الحاكم، أدت إلى إعادة التفكير في إدارة الحكم في بلد الأسطورة نيلسون مانديلا، وفي البحث عن رئيس بدلا من ثابو مبيكي، يكون أكثر حزما وصرامة وفعالية، وأكثر ديمقراطية وتقبلا لمطالب المعارضة وتفهما لانتقاداتها.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، هو هل تنحي ثابو مبيكي يعتبر نقطة إيجابية تحسب للديمقراطية في جنوب إفريقيا، أم أنه نقطة سلبية تدل على هشاشة الديمقراطية في هذه الدولة التي تعد أقوى دول القارة السمراء على الإطلاق وأكثرها ديمقراطية؟

قبول الرئيس ثابو مبيكي التنحي من أعلى منصب في الدولة، يعتبر تصرفا حضاريا يدل على نضج الديمقراطية في بلد نيلسون مانديلا، ودليلا قاطعا على الفصل بين السلطات وأولوية مصالح الحزب على مصالح الأشخاص والأفراد. من جهة أخرى يعتبر الصراع داخل الحزب واستعمال طرق مخالفة للعمل السياسي النزيه والصحي، واستعمال النفوذ واستغلال المنصب لتحقيق المصالح الشخصية، ضربة موجعة لسلامة وصحة الديمقراطية.

بدأ مبيكي حكمه بطريقة جيدة كتلميذ سابق للرئيس مانديلا، واستطاع أن يخلص حزب المؤتمر الإفريقي من ولائه للاشتراكية السوفييتية، لكنه سرعان ما بدأ يفقد النجاح الذي بدأ عهده به، خاصة وأن المقربين منه ومستشاريه يتميزون بالولاء الأعمى له ولا يوجهونه في الاتجاه السليم. ومع مرور الزمن أصبح مبيكي لا يتعامل مع المعارضة بطريقة ديمقراطية ومنطقية، سواء داخل حزبه أو خارجه.

ومن أهم الانتقادات التي وُجهت إلى مبيكي فشله في التعامل مع مشكلة الايدز التي يعاني منها 5,5 ملايين جنوب إفريقي من أصل 49 مليونا، وهو رقم كبير بكل المقاييس بالنسبة لبلد بحجم جنوب إفريقيا.

من الانتقادات التي وُجهت إلى الرئيس مبيكي كذلك، تعاطيه مع اختراق الديمقراطية في البلد الجار زيمبابوي وتعاطفه مع روبرت موغابي، والمساهمة بصفة غير مباشرة في إطالة عمر نظام اخترق كل معايير الديمقراطية والحكم الرشيد.

تعتبر التجربة الديمقراطية في جنوب إفريقيا هي الأنضج والأقوى على مستوى القارة السمراء بدون منازع. فقد فشلت التجارب الديمقراطية في القارة الإفريقية تباعا، وآخرها كانت التجربة الموريتانية التي خيبت آمال الكثيرين بعد الإطاحة برئيس منتخب. القارة السمراء عوّدتنا على الانقلابات العسكرية والجمهوريات الأبدية، حيث يخلف الرئيس نفسه لولايات وفترات متتالية أو يحكم للأبد حتى يفارق الحياة.

روبرت موغابي في الدولة المجاورة لجنوب إفريقيا أخذ سبيلا مخالفا تماما لما عرفته جنوب إفريقيا، وتمسك بالحكم مستعملا كل الطرق والوسائل التي تتنافى مع الممارسة الديمقراطية، الأمر الذي أدخل بلاده في مشكلات الفقر والحرمان والجهل والايدز والأوبئة والهجرة.

القارة السمراء التي تنعم بثروات هائلة وبإمكانيات رائعة للنمو والإزهار والرخاء، غارقة في الديون والأمراض والأوبئة والفقر والجهل والحرمان. كما تتميز معظم أنظمتها السياسية بالفساد والتسلط والدكتاتورية والاستحواذ على كل السلطات، منافية بذلك أبسط قواعد الديمقراطية.

تعرضت الديمقراطية في جنوب إفريقيا في الأسابيع الأخيرة إلى اختبار عسير، تمثل في مطالبة الحزب الحاكم للرئيس ثابو مبيكي بالتنحي عن الرئاسة. وهكذا شاءت الأقدار أن يخرج الرئيس ثابو مبيكي رئيس جنوب إفريقيا من قصر الرئاسة، من الباب الضيق وقبل أن تنتهي عهدة رئاسته. هكذا قرر حزبه، حزب المؤتمر الوطني الإفريقي.

ثابو مبيكي جاء إلى سدة الحكم بتزكية المناضل الأسطورة نيلسون مانديلا، وبانتخابات حرة وديمقراطية، وبمؤازرة أتباعه ومناضلي حزبه والشعب الجنوب إفريقي بصفة عامة. فمبيكي لم يأت من الفراغ، وإنما كان نائبا لمانديلا أثناء تولي هذا الأخير رئاسة البلاد في الفترة من 1994-1999.

ويقال إن مانديلا تعمد تعيين مبيكي نائبا له حتى يفتح أمامه الطريق لتولي كرسي الرئاسة فيما بعد. ويرى البعض أن مانديلا ندم فيما بعد على ذلك القرار، خاصة بعد الأخطاء الفادحة التي وقع فيها مبيكي، وبالأخص في عهدته الثانية حيث كان يتجاهل المعارضة ويعتمد على مجموعة من الموالين له والذين لا يجرؤون على معارضته أو تنبيهه على الأخطاء والهفوات التي يرتكبها.

أضف إلى ذلك أن مبيكي اشتهر بنرجسيته وتعاليه على الآخرين، الأمر الذي أزعج الكثيرين، سواء في الحزب الوطني الإفريقي أو في المعارضة.

مبيكي انصاع لرأي الأغلبية في حزبه عندما طُلب منه التنحي عن رئاسة الدولة، على خلفية تدخله في التحقيقات القضائية المتعلقة بخصمه جاكوب زوما، نائبه السابق في السلطة الذي أصبح في ديسمبر 2007 رئيسا لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي الحاكم، وهو ما اعتبره الكثيرون انقلابا داخليا على مبيكي.

هكذا أطاحت الديمقراطية بالذي استعملها للوصول إلى الحكم وخالفها عندما أراد أن يتخلص من خصمه. فهل يا ترى يعتبر تنحي مبيكي من سدة الحكم مظهرا صحيا ويحسب لديمقراطية جنوب إفريقيا؟ أم أن تصرف مبيكي إزاء زوما يعتبر نقطة سوداء تخالف الديمقراطية وتتنافى مع مبادئها؟

مبيكي رضخ للأمر الواقع، وهذا يحسب لنضج الديمقراطية في جنوب إفريقيا. وقد جاء لسدة الحكم ليجد تحديات كبيرة جدا، من أهمها أنه جاء بعد الأسطورة نيلسون مانديلا وبتزكية منه، وجاء ليواجه مشكلات الأمن وتداعيات الهجرة الإفريقية لبلاده، وتطوير المستوى المعيشي للسود الذين ما زالوا يعانون من الفقر والحرمان، ومعالجة وباء الايدز الذي يفتك بآلاف الأرواح سنويا.

هل يأتي تنحي الرئيس مبيكي بجديد؟ وهل سيكون خلفه في مستوى التحديات التي تواجهها جنوب إفريقيا، كتخفيض نسبة البطالة وإدماج الشباب السود في الحياة الاقتصادية والقضاء على الجريمة والعنف ومعالجة مشكلة الايدز؟

وهل سيكون الرئيس الجديد ديمقراطيا يتفاعل ويتعاطى مع المعارضة بروح من المسؤولية والاحترام والتقدير بما يخدم مصلحة الشعب والبلد؟ وهل يستطيع حزب المؤتمر الوطني الإفريقي أن يضمد جراحه ويتجاوز خلافاته، ليتحد من أجل اختيار الرجل المناسب من حيث الكفاءة والنزاهة والالتزام ليقود جنوب إفريقيا بعيدا عن الحسابات الضيقة والمصالح الشخصية؟

هل سيكون الرهان على جاكوب زوما أم على غاليما موتلانتي أم على شخصية جديدة قد تظهر على الساحة السياسية الجنوب إفريقية في الفترة القادمة؟ الشهور القليلة القادمة هي وحدها الكفيلة بالإجابة عن هذا التساؤلات.

كلية الاتصال، جامعة الشارقة

mokirat@sharjah.ac.ae